المصري اليوم نشر في المصري اليوم الثلاثاء 10 نوفمبر 2015

صدفة أن تُصبح محطة انطلاقها الأولى مرتبطة باسم موسيقار الأجيال د. محمد عبدالوهاب، ثم تتزوج في الأربعة عقود الأخيرة من

فاتن .. الفنان الاستثنائى مثلها لا يغيب.. قد يحتجب قليلاً ليشرق مجددا في أعماقنا

السعودية فن فاتن حمامة مشاهير

صدفة أن تُصبح محطة انطلاقها الأولى مرتبطة باسم موسيقار الأجيال د. محمد عبدالوهاب، ثم تتزوج في الأربعة عقود الأخيرة من عمرها بأستاذ الأشعة الأكبر والأهم في بلادنا د. محمد عبدالوهاب، بالطبع دكتوراة عبدالوهاب الموسيقار فخرية، بينما الطبيب المرموق دكتوراه علمية، إلا أنها أمضت حياتها الفنية والشخصية بين وهابيين كبيرين.

فاتن حمامة

حفاوة استثنائية حظيت بها سيدة الشاشة طوال تاريخها، فلم تكن المناسبة هي الرحيل لكى تحتل فاتن كل هذا القسط الوافر من الاهتمام الإعلامى والصحفى، ولكن لأنها فاتن.. فهذا يكفى.

فاتن لا تحتاج مناسبة لنكتب عنها، أو لتكريمها، فهى دائما محط اهتمامنا وتكريمنا، دون مناسبة، لأن تواجد فاتن في حياتنا هو «المناسبة».

لقاءات عابرة فقط جمعت بينى وبين فاتن حمامة في عدد من الحفلات الفنية، فهى كما تعلمون جميعا مقلة في التواجد في مثل هذه المناسبات، كما أننى بدأت ممارسة النقد قبل نحو ثلاثين عاما في وقت كانت فيه فاتن لا تتواجد على الخريطة الفنية إلا في القليل النادر، وهكذا لم أنل شرف الاقترب من فاتن حمامة، إلا أن الصدفة لعبت دورا.

تلقيت من فاتن في عام 2013 مكالمتين تليفونيتين، الأولى كانت مع سبق الإصرار، والثانية بعدها ببضعة أشهر عن طريق الخطأ، بدلا من أن تطلب ابنها طارق عمر الشريف، وجدتها تتصل بى معتقدة أننى طارق ابنها، وكان هذا هو أحلى خطأ وقع لى في حياتى، وإليكم التفاصيل.

يقول أحمد شوقى في رائعته مجنون ليلى «ليلى بجانبى كل شىء إذن حضر».. هكذا شعرت عندما تلقيت تليفونا من فاتن حمامة، فشعرت بعدها أن «كل شىء إذن حضر»، كانت فاتن بصوتها الذي لا يمكن أن تخطئه أي أذن في العالم تشكرنى على كلمة كنت قد كتبتها قبل يومين بعنوان «فاتن تضىء ليالينا»، تناولت تكريمها في الجامعة الأمريكية ببيروت بعد أن منحوها الدكتوراه الفخرية، وتعجبت أن فاتن لا تزال تتابع باهتمام ما يكتب عنها في الجرائد، وهل هي حقيقة تحتاج أن يكتب عنها أم نحن الذين بحاجة للكتابة عن فاتن حتى نشعر بأن في حياتنا قامة وقيمة وقدوة.

مرت المكالمة سريعا وفى نهايتها سألتنى: كيف تدخل على «اليوتيوب» لتشاهد حفل تكريمها؟ لم يسعفنى سوى أن أقول لها ادخلى على جوجل، واكتبى فاتن حمامة، وتحسباً لأى خطأ قلت لها اسألى أحدا من أبنائك، أجابتنى: تقصد أحفادى.

فاتن هي التي تستحق منا الشكر على كل ما أبدعته، ما الذي من الممكن أن يضيفه إليها مقال أكتبه أنا أو غيرى؟ وتعطلت لغة الكلام، والأبجدية لا توفيها حقها، وانتهت المكالمة الأولى وصوت فاتن يملأ حياتى بهجة.

أما الثانية، أقصد المكالمة بالطبع، فلقد بدأت كالتالى: طارق أنت في مصر؟ أجبتها: نعم في مصر، ولكن ما استوقفنى أنها لأول مرة وعلى غير العادة تقول مباشرة طارق، اعتبرت وقتها أننى قد قفزت درجة في علاقتى بفاتن وهى تنادينى طارق، وكانت أجمل طارق سمعتها في حياتى، ثم قالت لماذا لم تتصل؟ أيقنت أنها تقصد طارق الشريف، قلت لها مدام فاتن أنا طارق الشناوى، وأسرفت في تقديم فيض من كلمات الاعتذار وأنا أقول لها في نهاية المكالمة يا ريت يا مدام فاتن بين الحين والآخر يتكرر هذا الخطأ الرائع، وضحكت، ولم يتكرر مع الأسف هذا الخطأ.

فاتن حمامة

سعدت عندما كلفتنى إدارة مهرجان القاهرة بتأليف كتاب عن فاتن، نعم ليس بيننا كما ترون لقاءات شخصية وعلاقتى بها لا تتجاوز هاتين المكالمتين، إلا أنها هي الأقرب لى ولأغلب المصريين والعرب، يبدو كأن بيننا عشرة وزمن، الأعمال السينمائية التي قدمتها منذ أن شاهدناها الطفلة «نفيسة» في أول إطلالة لها «يوم سعيد» لمحمد كريم حتى «نرجس ريحان» في آخر لقاء سينمائى «أرض الأحلام» لداوود عبدالسيد، خلقت مع الناس هذه العشرة، ولهذا ستكتشف أن كثيرا من المصريين يضعون صورة فاتن في حجرة الصالون، باعتبارها واحدة من العائلة، وهى مكانة كما تعلمون لم يحققها حتى الآن أي فنان آخر، والسر هو أن فاتن ظلت دائما تحمل صفة الاحترام الشخصى الممزوج بالتقدير الفنى، فصار لها صورة في صالون المنزل تُعبر عن المكان وصورة أخرى في القلوب تُعبر عن المكانة‼

أعترف لكم بشىء خاص جدا، ربما يعرفه فقط أهل مهنة الكتابة، وهو أننا أثناء صياغة المقال نبحث لا شعوريا عن العنوان، فما بالكم لو كان كتابا هنا يصبح الأمر أكثر إلحاحا؟ قررت منذ البداية أن أتجنب تماما أن أطلق على كتابى، لقب «سيدة الشاشة العربية» لأنه لا يحمل أي جديد، فهو قد صار مرادفا لاسمها أينما حلت، وذلك منذ منتصف الستينيات، وأخذت أفكر هل مثلا نسميها «الأيقونة» أم «نجمة القرن» أم «الألفة»، أم «فاتنة القلوب والعقول» أم، أم، عشرات من العناوين تلاحقت، ولا أجد بينها ما يُشفى غليلى، تجاوز اسم فاتن كونها ممثلة عملاقة لتصبح هي دلالة على فن التمثيل ذاته.

ماذا يعنى اسم فاتن حمامة في ضمير الفن العربى؟

إنها واحدة من اللآلئ النادرة، صار اسمها مرادفاً لكل ما هو جميل وراقٍ وممتع وقبل وبعد كل ذلك محترم، دائما تحظى فاتن بعنوان الاحترام، فكانت دائما في موقع المتميز الذي يقف في أول الصف، سبقت فاتن جميع من هم في جيلها، وتعاقبت الأجيال ولا تزال الألفة هي الألفة فهى سيدة الشاشة العربية عبر كل الأجيال.

فاتن حمامة

وهكذا غابت العديد من السنوات عن الشاشة إلا أننا اكتشفنا أن حضورها دائما يقاس بترمومتر آخر، وهو القدرة على النفاذ إلى العمق.

عرفها الناس طفلة خفيفة الظل قادرة على الاستحواذ على اهتمامه، فكان الحب من أول لقطة، الجيل الذي شاهدها وهى طفلة كبر معها، والأجيال التي لم تلحق تلك الأيام أصبح لديهم سجلا كاملا حافلا بكل سنوات عمر فاتن حمامة، عبر الفضائيات التي لا تتوقف في كل لحظة عن تقديم فيلم بتوقيع فاتن، إنها السينما عندما تحفر في ذاكرة الناس ملامح وإحساسا يكبران معهم مثلما هم أيضاً يكبرون.

هذا هو ما حدث بالضبط مع فاتن حمامة، بالطبع لم يطلب منها أحد التخطيط لذلك، ولا هي فكرت في أنه مع الزمن سوف تدعم تلك اللقطات، وهى طفلة مشوارها عند الناس، إلا أن المؤكد أن وقوفها مبكراً أمام الكاميرا منحها حميمية ودفئا في كل لقاءاتها التالية مع الجمهور.

كان محمد كريم يبحث عن طفلة شقية لتمثل أمام محمد عبدالوهاب، فوجدها تمتلك كل المؤهلات، وحافظ على تلقائيتها، مرت بضع سنوات، والطفلة لم تعد طفلة، فقد أراد لها الناس أن تنمو بينهم على الشاشة، فهم من خلالها يقرأون أيضا أعمارهم، ويتحسسون بصمات السنين على وجوههم.

فاتن حمامة هي نموذج للطفلة الاستثناء التي سمح لها الناس بأن تواصل مشوارها معهم وبنفس البريق، لأنهم اعتبروها فنانة من العائلة تربطهم بها صلة شخصية، وليست مجرد حالة مرحلية، فهى شاهد حى على زمن طفولتهم، إنها واحدة من الأسرة، ولهذا بمجرد أن تعدت سنوات الطفولة واصل مكتشفها محمد كريم مشواره معها لتشارك في «رصاصة في القلب» بطولة راقية إبراهيم مع بطله الأثير محمد عبدالوهاب، ثم يمنحها بعدها بطولة فيلمه «دنيا» وهو بالمناسبة أول فيلم عربى يشارك رسمياً في مهرجان «كان» في أول دوراته عام 1946.

فاتن حمامة ربما تبدو للوهلة الأولى أنها تعيش فقط للفن، تصحو وهى تقرأ سيناريو وتنام وهى تحلم بالدور الذي تؤديه أمام الكاميرا، ربما كان ذلك في المجمل صحيحا، ولكن الصحيح أيضا أن الوطن كان يسكنها حتى وهى طفلة فلقد كان يحركها دائما النداء للحرية، وكانت في المنصورة خلال المرحلة الثانوية بحجمها الضئيل تقود المظاهرات ضد الإنجليز.

فاتن حمامة

فاتن حمامة هي حلم المخرجين من جيل نهاية الأربعينيات والخمسينيات وحتى جيل التسعينيات، مثل حسن الإمام، صلاح أبوسيف، هنرى بركات، كمال الشيخ، ويوسف شاهين الذين تعودنا أن نطلق عليهم مخرجى العصر الذهبى للسينما.. وحتى تصل لجيل داوود عبدالسيد وخيرى بشارة من نجوم مخرجى الثمانينيات والتسعينيات، وكانت لها أيضاً مشروعات لم تكتمل مع كل من عاطف الطيب ومحمد خان وشريف عرفة، وصولا إلى عمرو سلامة، وهو من جيل الألفية الثالثة.

بدأت مشوارها في مرحلة الشباب مع المخرج حسن الإمام وجد فيها أحلامه مع فيلمه الأول «ملائكة في جهنم».. أما باقى المخرجين فإنهم جميعاً كان حلمهم مع أول تجاربهم هو فاتن حمامة، وليس صدفة أن في أول أفلام يوسف شاهين «بابا أمين» يجد أمامه على الفور فاتن حمامة.. وأول أفلام كمال الشيخ لا يرى سوى فاتن حمامة في «المنزل رقم 13» وعندما يريد صلاح أبوسيف أن يغير مساره الفنى، أو بتعبير أدق، عندما يعثر أبوسيف على موجته السينمائية الصحيحة، وهى الواقعية يجد على الفور أحلامه بالتغيير تتجسد مع فاتن حمامة من خلال فيلم «لك يوم يا ظالم»، كان أجر فاتن حمامة بمقياس تلك السنوات هو الأعلى، حيث وصل إلى 5 آلاف جنيه، وكان الفارق مع من تليها من الأسماء يزيد ألفا أو ألفى جنيه، وهذا بالطبع دلالة على أنها في شباك التذاكر كانت تحقق لجهة الإنتاج فارقا في الدخل.

والغريب أن فاتن رغم كثرة الطلب عليها، فقد وافقت مساندة منها لصلاح أبوسيف، أن ترجئ الحصول على أجرها في «لك يوم يا ظالم» حتى تضمن أن يرى الفيلم النور وبالفعل كسبت فاتن الرهان، والفيلم حقق رواجا جماهيريا ضخما، وحصلت فاتن على أجرها كاملا من شباك التذاكر.

ثم مع عزالدين ذوالفقار، هذا المخرج الذي نسج مع فاتن أجمل أفلام في تاريخه وتاريخها أيضاً، حيث كانت مع تباشير البداية لعزالدين ذوالفقار، وبعد عام واحد من تلك البداية في فيلم «خلود» عام 1948.

اللقاء بين عز وفاتن هو حالة خاصة.. إنه لقاء لا يعترف إلا بالنجاح الطاغى مثل «موعد مع الحياة»، «موعد مع السعادة»، «بين الأطلال»، «نهر الحب» وهو لقاء فنى، أو التقاء فنى لم يتأثر إطلاقاً بالطلاق والانفصال الشخصى الذي وقع بين فاتن وعز في منتصف الخمسينيات.

يؤمن عزالدين ذوالفقار بالفريق الواحد، وقد قال ذلك نظرياً وطبقه عملياً، ولكنه رغم إيمانه بذلك، فإنه يقول في نفس الوقت «إن فاتن حمامة هي رقم واحد بين كل نجمات السينما المصرية، ولا توجد في الترتيب من تحقق المركز الثانى أو الثالث، ونبدأ العدد من المركز الحادى عشر».

كانت فاتن تعبر عن أفكار عز التي يطرحها على الورق، فهو كثيرا ما كان يشارك في الفكرة السينمائية والسيناريو والحوار وربما شعوريا أو لا شعوريا كان يجد أمامه فاتن حمامة تسيطر على رؤيته الدرامية، فلا يرى سواها

فاتن حمامة  

ما الذي يعنيه أن فاتن حمامة هي صاحبة أعلى أجر بين نجمات جيلها، وبالتالى فهى طبقا لذلك أكثرهن تحقيقاً لإيرادات الشباك؟ في العادة يُصبح الأمر مرهونا بالحفاظ على تلك الجماهيرية التي دفعتها للحصول على الرقم الأعلى، وأغلب النجوم يفضلون اللعب في المضمون، وتقديم ما يريده وما تعود عليه الجمهور، رغم ذلك لم تقع فاتن أسيرة لأرقام إيرادات الشباك، حطمت هذا القيد، فلقد كان لديها دائماً شىء أبعد من مجرد أن يحقق فيلمها أعلى الأرقام.. لم تصنع الأرقام حاجزاً، بينها وبين أن تراهن على المجهول، ولهذا لم تخلُ أفلامها أو في قسط منها بقدر من المغامرة.

لم تتوقف فاتن عند جيل واحد من المخرجين.. التقت بكل الأجيال بداية من رائد السينما المصرية الأول محمد كريم ثم تتابع على مشوارها أحمد كامل مرسى،، حسن الإمام ويظل اللقاء مع هنرى بركات يحمل استثناء خاصا فهو، على خريطتها، الأول والأغزر، وكان التفاهم بينهما تكفيه النظرة.

أهم نجمة تعامل معها بركات في مشواره هي «فاتن حمامة» إنها الجسر الذي حمل مشاعره إلى الناس، وكانت «فاتن» هي الملهمة التي قدم من خلالها أهم أفلامه السينمائية، وكان هو بالنسبة لها أيضاً النهر الذي كثيراً ما ارتوت من إبداعه فكونا ثنائياً سينمائياً لا تدرى على وجه الدقة كيف كان كل هذا السحر بينهما!!

التقى «بركات» مع أغلب النجوم والنجمات، ولكن ظل اسم «فاتن حمامة» له طابع مميز ومذاق خاص في مشواره الفنى.. التقت «فاتن حمامة» مع أغلب المخرجين منذ أن اكتشفها «محمد كريم» في فيلم «يوم سعيد» ولكن ظل ما بينها وبين «بركات» إشعاعاً إبداعياً خاصا!!

إن لحظة التوهج الكيميائى بين مخرج ونجمة لا تعنى أن كلا منهما لا يبدع إلا مع الآخر، ولكنها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن كلاً منهما يملك وجهاً إبداعياً خاصاً لا يعلن عن نفسه إلا في حضور الآخر.

فاتن حمامة

سألت يوماً «بركات» عن سر «فاتن حمامة»، فقال لى إنها حصان أصيل تفضل أن تظل في المقدمة، ولا ترضى أن يسبقها أحد.. وسألته هل اختلفت معها في الرؤية الفنية، فقال نعم، في فيلم «الخيط الرفيع» لإحسان عبدالقدوس، حيث أصرت «فاتن» على أن تذكر جملة في الحوار كتبها «إحسان» حيث تقول لمحمود يسن الذي شاركها البطولة «أنا مش نبى علشان أسامح» اصطدمت هذه الكلمة بأفكارى الشخصية والفنية لمحت بها جرأة تصل إلى حدود التهور في استخدام هذا التعبير «نبى»، وأصرت «فاتن» على ضرورة أن تنطق بها في الحوار كما هي، ولم أشأ أن أتشبث برأيى وعند عرض الفيلم ردد الجمهور هذه الكلمة كثيراً اكتشفت أن «فاتن» عندها حق.

ثم تصل إلى مرحلة مهمة في مشوارها لتلتقى مع حسين كمال في «إمبراطورية ميم» عام 1972 وشهدت فاتن مع حسين كمال تحررا في فن الأداء، فهو مخرج لديه بصمته الخاصة على أداء الممثل، حتى لو كان يتعامل مع فنانة برسوخ فاتن حمامة تستطيع فعلا أن تُدرك ذلك لو تأملت أداءها في هذا الفيلم الوحيد الذي جمعها مع حسين كمال، ثم بعد ذلك تلتقى مع سعيد مرزوق في «أريد حلاً» وذلك عام 1977، وهذا الفيلم لا تستطيع أن تعزل البطلة عن المشروع، لا أحد من الممكن أن يتحمس لفيلم يناقش قضية فقهية وقانونية على هذا النحو، ولا يمكن أيضا التنازل عن هذا العمق الفقهى والقانونى، وبالطبع لا نغفل أن المخرج سعيد مرزوق قدم فيلما ممتعا فنيا بقدر ما هو عميق فكريا.

عاشت السينما المصرية في مرحلة الثمانينيات من خلال جيل جديد، كثيرا ما كان يهاجم بضراوة بحجة أنه يسىء إلى سمعة مصر، إلا أن فاتن راهنت عليه، وفى عام 1988 تلتقى في «يوم مر ويوم حلو» مع خيرى بشارة، ولم يسلم الأمر في الحقيقة من خلافات بينهما في عدد من المشاهد، ولكن بنسبة كبيرة كان بشارة قادرا على فرض إرادته التي بدأت في اللحظة التي قرر فيها الاستعانة بمدير التصوير طارق التلمسانى، فجاءت واقعية بشارة خطوة أبعد مما تعودت عليه فاتن، ثم كان آخر أفلامها «أرض الأحلام» عام 1993 مع داوود عبدالسيد، الأحداث في يوم واحد، وشاهدنا هارمونية رائعة مع يحيى الفخرانى عزفها داوود.

فاتن تعلم تماماً أن النجم يتجدد من خلال عين جديدة للمخرج تكتشف شيئاً أبعد مما يراه الآخرون، وأعتقد أن فاتن بصمودها كل هذه السنوات، باعتبارها النجمة الأولى في التوزيع الداخلى والخارجى أكبر دليل على أن القيمة الأدبية لفاتن حمامة كان لها مردودها المادى في أوراق شركات الإنتاج ومكاتب الموزعين، لأنه مع كل موجة سينمائية جديدة تقتلع هذه الموجة كل ما هو سائد وتنشئ قيما وقوانين جديدة ونجوما تعبر عن الجيل، إلا أن فاتن كانت هي الاستثناء، فلقد حافظت على قانونها.

عندما يقع اختيار أهل السينما على لقب «سيدة الشاشة العربية» ليمنحوه إلى فاتن حمامة ويقع اختيار أهل الغناء على أم كلثوم «سيدة الغناء العربى» وأهل المسرح يطلقون على يوسف وهبى «عميد المسرح العربى» وأهل الأدب على طه حسين «عميد الأدب العربى».. ألا يعنى هذا دلالة ما، وهى أن هؤلاء في مواقعهم تجاوزوا حتى المنطقة الجغرافية والوطنية ليمتد تأثيرهم إلى كل عالمنا العربى؟ إنها قفزة من تخوم الجغرافيا إلى عمق ودلالات التاريخ. ألا يعنى هذا أيضاً أن الزمن هنا منح أسماء هؤلاء دلالة أكبر من كونهم فنانين كبارا ليصبحوا رموزاً دالة على الإبداع كله؟!

فاتن هي الفنانة التي اختارها الجمهور والنقاد بإرادة حرة لتحمل لقب «أيقونة الفن».. لم تسْعَ هي إلى ذلك، ولكن عطاءها هو الذي حقق لها تلك المكانة، وفى عام 1996 عندما أقيم أول استفتاء لأفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية، حظيت فاتن حمامة بالمركز الأول، ولها رصيد 11 فيلما.. الوحيدة التي كانت تلاحقها في الأرقام سعاد حسنى 9 أفلام.. الأفلام التي حققتها فاتن حسب أسبقية عرضها جماهيرياً هي «رصاصة في القلب» محمد كريم «ابن النيل» يوسف شاهين «لك يوم يا ظالم» صلاح أبوسيف «المنزل رقم 13» كمال الشيخ «صراع في الوادى» يوسف شاهين «أيامنا الحلوة» حلمى حليم «بين الأطلال» عزالدين ذوالفقار «دعاء الكروان» و«الحرام» بركات «إمبراطورية ميم» حسين كمال «أريد حلاً» سعيد مرزوق.

آخر ظهور علنى لفاتن حمامة في مهرجان عربى كان أثناء تكريمها في افتتاح مهرجان «دبى» السينمائى قبل أربع سنوات، عندما منحها عبدالحميد جمعة، رئيس المهرجان، درع تكريمها، لم تحضر فاتن إلى دولة الإمارات، ولكن تم تصويرها في بيتها بالقاهرة، كانت هذه الإشارة تحمل لى دلالة واضحة ومعنى مباشرا هو أن فاتن حمامة لم تعتزل الفن، وتعددت بعدها مرات تواجدها على المستوى العربى عندما ذهبت في مطلع 2013 إلى بيروت لتسلم جائزة تكريمها من الجامعة الأمريكية هناك، وحرصت فاتن على قبول الدعوة، وهى في الحقيقة كانت حريصة على أن تعلن رأيها، وهى أنها تقف ضد حُكم الإخوان الذي كان يتدثر عنوة بالإسلام، قالت كلمتها التي نقلتها كل الفضائيات في عز سيطرة الإخوان على الحكم، ولم تخش شيئا أمام كلمة الحق، ثم شاهدناها في دار الأوبرا، وهى تتسلم درع تكريمها بعد عودة عيد الفن 2014 تحديدا 13 مارس وهو يوم ميلاد أول نجم تقف أمامه على الشاشة، الموسيقار محمد عبدالوهاب.

فاتن ظلت حتى اللحظات الأخيرة تتابع كل ما يجرى على الساحة الفنية، وكنت لا أستبعد، مهما مرت السنوات، أن نجد فاتن حمامة تقف مجددا أمام الكاميرا لتسعد بطلتها الدُنيا كلها.

الفنان الاستثنائى مثل فاتن لا يغيب، قد يحتجب قليلا ليشرق مجددا في أعماقنا، لن تغيب أبدا شمس فاتن، لأن كل قيم الخير والجمال والاحترام تتجسد أمامنا بمجرد أن ننطق اسم «فاتن»!.

السعودية فن فاتن حمامة مشاهير

مقالات ذات علاقة

حماد القشانين ضحكات ودموع اللواء الذهبي

لماذا لم نكن نعرف هذا اللواء وزملاءه من قبل؟

هاني الظاهري نوستالجيا.. وحكايات أخرى !

خمسة أسطر عن تجربة هذا المبدع ليتم وضعها على إحدى صوره في معرض مصاحب للاحتفالية التي ستقام قريباً

مشعل السديري مقتطفات (السبت)

هناك مخططات وبيع وشراء قطع على أرض القمر؟! وقيمة القطعة (5) دولارات فقط، حيث يتسلم صاحبها وثيقة تمليك باسمه تبيّن