المصري اليوم نشر في المصري اليوم السبت 14 نوفمبر 2015

تغنى «لطيفة» التونسية باللهجة المصرية وتغنى «سميرة» المغربية باللهجة المصرية، ورغم ذلك يغضب أغلب صناع الأفلام المغاربية

اللهجة لغم جديد واجه «مدام كوراج»

المغرب الجزائر فيلم مدام كوراج

تغنى «لطيفة» التونسية باللهجة المصرية وتغنى «سميرة» المغربية باللهجة المصرية، ورغم ذلك يغضب أغلب صناع الأفلام المغاربية عندما تتم ترجمة الأفلام إلى اللغة العربية بمذاق مصرى!

أول من أمس شاهد جمهور المهرجان فى المسرح الكبير الفيلم الجزائرى «مدام كوراج» الذى أثار فى الأسابيع الأخيرة ضجة «فشنك»، حيث اعتبرت مشاركته فى مهرجان «حيفا» تطبيعا مع إسرائيل، ولكن إدارة المهرجان كانت مدركة أن هذا الاختراق يحاسب عليه المخرج، ولكن الفيلم نفسه يظل جزائرى الهوى والهوية، الجدير بالنقاش هو أن الفيلم الناطق باللهجة الجزائرية المحلية تمت إضافة ترجمة واحدة بالإنجليزية كما تشترط القواعد والثانية إلى اللغة العربية حتى يسهل تعاطى الجمهور المصرى مع الفيلم، لست أدرى إذا كانت إدارة المهرجان قد استأذنت مخرج الفيلم مرزاق علواش أم لا، ولكن عندما نوقش هذا الاقتراح مع المخرج التونسى الكبير نورى بوزيد قبل عامين بعد عرضه فيلمه «مانموتش» فى مهرجان «أبوظبى»، اعتبرها نورى خيانة للعمل الفنى لا تغتفر.

ولنا فى الحقيقة تجارب غير سعيدة فى هذا الشأن، أتذكر عام 1991 فى مهرجان «تطوان» بالمملكة المغربية، كانت هناك كالعادة حفاوة منقطعة النظير بالوفد المصرى وخاصة المخرج الكبير صلاح أبوسيف، وكانت الصحافة المغربية تطلق على أبوسيف لقب عميد المخرجين العرب، وكان السؤال هو لماذا لا تُعرض أفلام مغربية فى دور العرض المصرية مثلما تعرض أفلام مصرية فى المغرب؟ وجاءت إجابة أبوسيف قاطعة وصادمة فى نفس الوقت عندما قال إنها اللهجة التى تشكل عائقا فى الاستيعاب، واقترح أن تتم على الشريط إضافة ترجمة للعربية، وهنا انقلبت الحفاوة إلى همهمات واستهجان، لأنهم اعتبروا أن هذا الرأى يعنى تشكيكا فى عروبتهم، واستغرق الأمر مناقشات مستفيضة انتهت إلى أن أبوسيف سحب اقتراحه فعادت الحفاوة وعاد الدفء.

تثير أفلام المغرب العربى بوجه عام حساسية تتجاوز تلك التى خبرناها فى العديد من مباريات الكرة مثل ما حدث قبل خمسة أعوام بين مصر والجزائر، وهى الترجمة من اللهجة المحلية إلى اللغة العربية بمجرد أن تصعد لمقدمة الكادر تتفجر براكين الغضب.

صارت أشبه بلغم مدفون تحت الأرض، وقابل للاشتعال فى كل لحظة، حيث تتم الترجمة إلى ما يطلقون عليها اللغة العربية «الثالثة»، المقصود بالثالثة، التى تقف بين الفصحى والعامية وهى تُسمى أيضاً «اللهجة البيضاء» التى يستوعبها كل مواطن عربى.. أكثر من مهرجان عربى سبقنا إلى ذلك. الكل بالطبع يُجمع بلا جدال على أن أفضل علاقة تقيمها مع العمل الفنى هى تلك التى تصلك مباشرة من خلال الشاشة، والترجمة بالتأكيد تخصم من روح الفيلم، أيضاً فإن المفردات المحلية والمغرقة فى دلالاتها البيئية تفقد الكثير من بكارتها اللغوية إذا حاولنا أن نعثر على مرادف عربى مماثل لها.. إلا أننا فى النهاية أمام اختيارين أحلاهما مُر، كل منهما يحمل فى داخله مرارة ما وأقلهما الترجمة إلى العربية بمذاق مصرى.

وبالطبع لا يمكن أن يطالب أى مهرجان مغاربى بالمعاملة بالمثل، أى أن تتم ترجمة الحوار المصرى إلى عربى، لقد لعبت «أم كلثوم» و«عبدالوهاب» دوراً محورياً ورائداً فى توحد العرب حول اللهجة المصرية وصاروا فى أحيان كثيرة يتحدثون بها فى تعاملاتهم اليومية.. الفيلم المصرى يحمل اسم الفيلم العربى بينما أى دولة أخرى ينسب فيملها إليها.. لقب العربى ظل لصيقاً بالفنان المصرى ولهذا مثلاً يقولون سيدة الغناء العربى «أم كلثوم» وسيدة السينما العربية «فاتن حمامة» وعميد الأدب العربى «طه حسين».. الجمهور العربى لديه تراكم للهجة المصرية ولا ينبغى أن تتحول القضية إلى نوع من التنابز باللهجات.

ومن المؤكد أن «فيروز» و«الرحبانية» عاصى ومنصور، منذ الخمسينات فى القرن الماضى لعبوا هذا الدور لتحقيق انتشار للهجة اللبنانية فى العالم العربى، بينما «لطيفة» و«سميرة» لم تساهما حتى الآن فى تحقيق تلك الأُلفة، ولاتزال مع الأسف الترجمة من المحلية للعربية هى الحل وحتى إشعار آخر!

المغرب الجزائر فيلم مدام كوراج