المصري اليوم نشر في المصري اليوم الثلاثاء 17 نوفمبر 2015

عندما يُمثل فيلم السينما المصرية ننحاز إليه عاطفيا هذه بديهية، ولكننا فى نفس اللحظة عندما نُقيمه نرتكن إلى حياد العقل

زحام «الليلة الكبيرة» على الشاشة أفسد الليلة

مصر شخصية فيلم الليلة الكبيرة

عندما يُمثل فيلم السينما المصرية ننحاز إليه عاطفيا هذه بديهية، ولكننا فى نفس اللحظة عندما نُقيمه نرتكن إلى حياد العقل هذه أيضا بديهية.

يجب ملاحظة أن اشتراك فيلم فى المهرجان ممثلا للسينما المصرية، لا يعدو أن يكون سوى اختيار لما هو متاح، ولأننى قريب من دائرة اتخاذ القرار بمسافة تسمح لى أن أقرأ الكواليس فلم يكن هناك ترف يسمح بالانتقاء مثلما كان يحدث مثلا قبل نحو 20 عاما عندما كان يتم تشكيل لجنة لمشاهدة ما يقرب من 20 فيلما مصريا ليقع الاختيار على فيلم أو اثنين. وبرغم هذا القيد إلا أننا هذه المرة فى «الليلة الكبيرة» كان لدينا فيلم به روح مصرية شعبية، تغلفه لمحة صوفية تدخل القلب التقطها المخرج سامح عبدالعزيز والكاتب أحمد عبدالله ولكنهما بدلا من أن يخلصا حتى النهاية للحالة الفنية التى شاهدناها على الشاشة فى البدايات، قررا أن يحيلا الفيلم إلى حكاية مباشرة وكأنهما يقفلان القوس بدلا من أن يفتحاه، كانت الأبواب تعد المتفرج برحابة تتجاوز تلك الخطوط الصارمة التى فرضتها الحكاية بقيودها الدرامية.

إنه الصراع بين الفكر الصوفى والفكر السلفى وبذكاء حرص سيناريو أحمد عبدالله على ألا ينتصر لأحدهما، ولا حتى للمنطق العقلى الذى كان هو شاطئ النجاة مثلا ليحيى حقى فى روايته «قنديل أم هاشم» التى أخرجها للسينما كمال عطية، حيث انحاز حقى فى النهاية لمنطق العلم، بينما المخرج سامح عبدالعزيز كانت لديه زاوية أخرى عندما رصد مولد الولى «عرش الدين»، كنا نشاهد المريدين وكل منهم يحمل رسالة يريدها أن تصل إلى الله بشفاعته، مصر بها مئات من الأضرحة يلجأ إليها المسلمون للتبرك، وبها دائما مآرب أخرى لتُصبح عند البعض مورد رزق شرعيا وعند آخرين صفقات مشبوهة، كل شىء مفتوح ومتاح لأهل تلك المنطقة، وأيضا زوارها ما بين الدراويش والقوادين والساقطات وتُجار يبيعون الدين وهم يسبحون بحمد الله.

كثيرة هى الشخصيات وكان الفيلم متخما بها، فهو ينتقل من بيت المنشد عمرو عبدالجليل إلى بيت أحمد وفيق وزينة التى لا تنجب سوى البنات إلى بيت الشاب المعاق ذهنيا أحمد رزق وأمه صفية العمرى إلى وائل نور الذى يؤدى دور القواد من خلال فندقه الذى يملكه عمه ولكنه أحاله إلى بيت دعارة على مقربة من بائع الشاى سامى مغاورى وابنته أيتن عامر التى ترتدى النقاب ولكن هذا لا يمنعها بأن تحلم بالزواج من القواد، ولدينا أيضا فرقة أحمد بدير وابنته سمية الخشاب التى تقع فى حب محمد لطفى الشاب اللقيط الذى يؤدى دور ضارب الخناجر فى لعبة الموت الشهيرة حيث تقف أمامه سمية الخشاب ويصوب الخناجر على مقربة منها، ثم المجذوب صبرى فواز وهو الشاهد الصامت على كل ما يجرى ـ يتخلل كل ذلك أجواء صوفية بأصوات عدد من المنشدين وتتعدد الحكايات. المخرج مع مدير التصوير جلال الزكى يقدمان صورة تنقل تلك الأجواء مع موسيقى تصويرية موحية لحسام داغرـ السيناريو يلهث من حكاية إلى أخرى ومن شخصية إلى أخرى من أجل الوصول إلى الذروة، كان هناك زحام وصخب درامى بينما حرص المخرج بين الحين والآخر أن يقطع إلى صوت المنشد على الهلباوى ـ إلا أنه أفسد كل ذلك عندما ارتكن إلى نهاية ميلودرامية زاعقة، كل الشخصيات كان يصل معها للذروة الدرامية، زينة تموت بين بناتها بينما زوجها يحاول أن يقيم معها علاقة لإنجاب طفل، فى نفس الوقت يكتشف عمرو عبدالجليل قبل الدخلة بلحظات أن الوجه الجديد ياسمين رحمى التى عقد قرانه عليها هى فى الحقيقة ابنته من علاقة غير شرعية، بينما تضيع الصفقة المالية التى اشترى بها سيد رجب الضريح بالشارع والحوارى المتفرعة منه، ثم ينهمر المطر فى نهاية الأحداث بدلالة رمزية أنه يمحو كل شىء.

الثنائى عبدالله وسامح اللذان قدما معا من قبل فيلمى «كباريه» و«فرح» يكملان الثلاثية فى «الليلة الكبيرة» ودائما القيد فى الزمان والمكان يصبح دافعا لكى نرى الشخصيات وهى تقف على الحافة فى لحظات صراعها المستحيل، كما أنه دائما تأتى النهاية صادمة وأخلاقية فى الأفلام الثلاثة، ربما كانت تلك هى القناعات التى تُشكل قطاعا من ضمير الجمهور المصرى ليلعب عليها الفيلم، ومع تعدد الثنائيات الدرامية فى السيناريو أتوقف أمام أحمد رزق وصفية العمرى فهما كانا لافتين فى الفيلم، ولمحة ذكية عندما تتعدد المرات التى يتخيل فيها رزق أنه قتل أمه، تباينت فى الفيلم مشاهد حالة المولد الحقيقية وتلك التى صنعها المخرج كديكور، كما أن عمرو عبدالجليل، لم يكن مقنعا فى غنائه عن طريق الدوبلاج الصوتى بأسلوب كاريكاتورى يجرح روح الفيلم، كانت تلك هى ليلتنا الأولى مع السينما المصرية ومساء الإثنين الماضى كان موعدنا مع فيلمنا الثانى «من ضهر راجل» الذى نلتقى معه قريبا فى هذه المساحة .

مصر شخصية فيلم الليلة الكبيرة

مقالات ذات علاقة

طارق الشناوي «ريا وسكينة»... وأشياء أخرى

التقيت مطلع الثمانينات موسيقاراً كبيراً وهو أيضاً فنان تشكيلي، من بين قلة قدمت إضافات خاصة على المستوى الإيقاعي النغمي

خالد منتصر الأب

عبقرية الفيلم هى فى تقديمه لتطورات المرض من خلال عقل الأب نفسه، هذه هى الصعوبة، وهذا هو التحدى

طارق الشناوي الإلهام حكايات وتخاريف!!

فمن التى ألهمت محمد عبد الوهاب هذا اللحن العبقرى؟