الشرق الأوسط نشر في الشرق الأوسط الأربعاء 13 نوفمبر 2013

في تكريم المسيرات

لبنان الرياض سينما كهرباء

طوال الطريق من الرياض إلى الغاط، كنت أفكر في الماضي على طريقة الاستعادة السينمائية. كلما توسعت أمامنا الطريق وعلت من حولها أعمدة الكهرباء وامتد الرمل بلا نهايات مثل محيط رملي، كنت أقول في نفسي: كيف عاش أهل هذه الأرض من قبل؟ إذا جاء المطر غارت الأرض بالوحل، وإذا غاب احترقت، وإذا هب الهواء تحول الضوء إلى عماء، وظلمة صفراء من رمل.

إذ تصل الغاط، تتوزع حقول النخيل عن يسارك وعن يمينك كأنها فرقة استقبال، ومن حولها تعلو الجبال والهضاب الترابية الشهباء مثل حجارة حلب قبل ضياعها. لكي تعرف ماذا كان يقصد الأسبقون بالواحات، فالوصول إلى الغاط واحة.

جئنا إلى هنا بدعوة من مؤسسة عبد الرحمن السديري، لتكريم عميد الإعلام السعودي الشيخ جميل الحجيلان، أول وزير إعلام في المملكة. مسيرة طويلة من يوم كان التلفزيون يناقش بث أغاني أم كلثوم، إلى النقاش موضوع الحلقة السنوية في الغاط هذا العام: هل ألغى الإلكترون الورق وأنهى الحبر؟

المتناظرون أجمعوا على ذلك. فاتهم جميعا أن هذا لا يعني أن عصر القراءة نفسه لا ينتهي. تتغير الوسائل. الإنترنت اليوم هي المطبعة التي اخترعها الحداد الألماني يوهان غوتنبرغ (1398 – 1468) عام 1447. هو جعل الكتاب في متناول عموم الناس، وستيف جوبز وضعه في متناول جميع الناس في جميع الأوقات. الخوف الوحيد هو ألا تؤثر الكثرة على نوعية العطاء، وأن تفقد الكتابة مقاييسها في هذه الفوضى العارمة، ويصبح تركيب الجمل ورصف الكلمات، في باب الأدب والكتابة.

في العودة من الغاط، لم يكن علي أن أفكر في كيف كانت الحياة هنا. أهداني اللواء الطيار عبد الله السعدون، كتابه «عشت سعيدا: من الدراجة إلى الطائرة» (المركز الثقافي العربي)، فإذا هو مفكرة ساحرة من أيام الشقاء وضنى الأيام. تلك الأيام التي كان يموت فيها الأطفال بالحصبة، لأن لا دواء لها: «يقول أحد كبار السن: كانت الحياة قاسية، الجوع يقيم في كل بيت، والمرض يمهل الأطفال حتى يزداد عددهم ليزورهم دفعة واحدة. يتركهم سنين، حتى إذا رآهم يلعبون في أزقة القرية على أكتاف أمهاتهم، مر بهم وهو في طريقه إلى القرى المجاورة، يزورهم الوباء كما تزورهم الرياح والأمطار، يبدأ من أحد أطراف القرية ثم ينتشر كالنار».

ولد اللواء السعدون في قرية بائسة ليس فيها سوى دراجة عتيقة، لكن نشأته سوف تبدأ بعد عودته من حفل التخرج في الثانوية، ذهب فورا إلى رعاية الأغنام. ثم يعود مرة أخرى بعد التخرج من كلية الطيران. ويطيب له أن ينام على السطح في ضوء القمر. إنه رجل آخر الآن، يعرف أن الضوء يلف الأرض كلها في ست ثوان. لكن، ما يهمه هو سرعة الحياة فوق الأرض. كيف سيبني منزلا وعائلة؟ كيف سيعتني بطلابه كما اعتنى به أساتذته؟ لا ينسى الراوي أن يفرد لنا صفحات كثيرة عن أهمية التعليم وشخصية المعلم. سوف يزور أحدهم بعد سنين ليشكره. «على ماذا؟». يسأل الأستاذ المتقاعد. «على قصيدة عمر أبو ريشة». يقول التلميذ، ثم يبدأ بإنشادها

لبنان الرياض سينما كهرباء

مقالات ذات علاقة

سمير عطا الله حزينٌ أطل الربيع

فمن يمكن للمرء أن يطلب السعادة؟ وما هي السعادة أولاً؟ هل هي حقيقة ممكنة أم حلم دائم؟ هل هو السعي أم الوصول؟

اندرية قصاص أيها اللبناني ماذا تفضّل العتمة أم الموت من الجوع؟

فعن أي حكومة يتكلمون ومَن مِن الناس لا يزال يسأل عن هذه الحكومة أو تلك؟

اندرية قصاص الدولار همّ اللبنانيين الوحيد هل نصبح مثل بيافرا؟

 الدولار يحرق البلاد أين رئيس الجمهورية من الانقاذ؟!  الليرة اللبنانيّة من يوقف مراسم الدفن قبل فوات الأوان؟