دفاعا عن حرية الرأي والتعبير فقط

السعودية الشريعة الإسلام الألباني

عندما كنا طلابا في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قبل ما يزيد عن اثني عشر عاما، كنا ندرس مادة مقاصد الشريعة، ومادة تاريخ التشريع، ومادة عند المستوى النهائي تدعى أسباب اختلاف الفقهاء، بالإضافة طبعا إلى مادتي الفقه وأصول الفقه، وغيرها، كل هذا التذكير بما كانت تعطينا إياه الجامعة لمتخصصي الشريعة يرجع إلى تفاجئنا من موقف الذين استنكروا فتاوى الشيخ العبيكان أو الغامدي أو الكلباني، مما جعلنا نتوقف ملياًّ لمعرفة أهلية بعض من ينكرون على هذه القامات آراءها الفقهية رغم أنها لم تأت ببدع من القول بقدر ما كانت مرجحة لمسائل سبقهم فيها كثير من الأقدمين بمئات السنين.

الفائدة التي جنيناها من هذا الهجوم الشديد على هؤلاء الأفاضل، هو إثراء العامة بالنظر الفقهي وليعلموا أن في ديننا فسحة وتنوعا قد نستنكر بعضه في زمن، ونعتاده في زمن آخر، ومثل ذلك ما استنكروه على سلمان العودة وعيد الميلاد، وغيرها من مظاهر تناولها فقهاء يمتلكون نفس الآليات بل إن استشهاداتهم تخرج من نفس مشكاة الطريقة الفقهية في التعاطي مع الأدلة، من حيث التخريج والتأصيل، وقد سبقهم إلى ذلك الشيخ الألباني رحمه الله في مسألة كشف الوجه، وتجاوزهم أجمعين فضيلة العلامة الشيخ عبدالله بن يوسف الجديع في كتبه ومباحثه المستفيضة والتي لم تترك لمستدرك فسحة في مسائل جواز حلق اللحية وجواز الغناء... إلخ مما يرجع فيه إلى مؤلفاته التي تشدك بتأصيلها الفقهي كما يليق بالعلماء الربانيين دون أن يستفتح كتبه بتخوينٍ أو تفسيقٍ أو وصف لأحد بالبدعة والإحداث في الدين، بل تأصيل يدل على قدم راسخة في الفقه مع تخريج أحاديث لم يجد الشيخ الألباني وهو سيد عصره في الحديث عنها مطعنا.

أعود فأقول إن ما حصل ليس فيه سوى كشف للذين يحق عليهم ما ورد في وصف أحد التابعين ممن اجتهد وقضى عمره في حفظ الأحاديث وجمعها وذلك عندما وصف بأنه "كان فقيها بين المحدثين ولكنه كان مجرد محدث بين الفقهاء"، ولهذا فيجب أن يعلم المحدثون أن الفقه الإسلامي ينفي عن نفسه الكهنوتية، فلا بطرس ولا بولس في الإسلام كي يغلق عالم فمه عن علم علمه، بل على العكس فقد توعد الحديث الشريف من كتم علما بلجام من نار، أما الأتباع الصغار المفتونين بمتبوعيهم، فنذكرهم بتعويذة قد تحمي عقولهم تقول: "إني أعطيك أذني لتقول ما تريد، لكني أعتذرك فأنا لا أعطي عقلي أحدا" ونحن لا نطلب منهم سوى أن يعوّدوا آذانهم على سماع ما لم تتعوده، فإن لم يكونوا قد علموا فليتعلموا، فإنما دواء العي السؤال، وكما قال فقهاؤنا: "عدم علمكم بالدليل ليس دليلا على عدم الدليل".

أتساءل بصفتي أحد خريجي كلية الشريعة، أين دور زملائنا في كل الدفعات التي سبقتنا والتي تلتنا في البيان والتوضيح، فيبينوا للناس أن ما ذكره أصحاب الفضيلة ليس بدعا من القول، وليس من حق أحد أن يسخر من الآخر، فكيف بمن يستشهد بآيات تتلى وأحاديث تروى على أصول فقهية معتبرة، لنجد التأصيل الفقهي في الرد عليهم لا يتجاوز تأصيلا للهمز واللمز على من طرح في الفقه رأيا كان ـ لا نقول غائبا ـ بل مغيبا طيلة سنين مضت، وزمن العولمة قد تجاوز مثل هذه الأوهام في تغطية الشمس بغربال الإقصائية والأحادية الفكرية.

من المسائل التي تثير علامة استفهام كبرى، هو قبول هؤلاء للخلاف في مسألة من أخطر المسائل الفقهية لارتباطها بإحدى الضرورات الخمس في الفقه الإسلامي وهو حفظ النسل، فنجدهم عند تذكيرهم بالخلاف في هذه المسألة يقولون لك: الخلاف هنا مستساغ، ويقصدون بذلك الخلاف حول جواز نكاح المسيار وغيره من أنكحة مستحدثة، فرغم ما يترتب عليه من أحكام تستتبع الحرث والنسل... إلخ بين محرم ومحلل، إلا أن الخلاف مقبول فيها عندهم، أما إن كان الخلاف حول ما هو أقل خطرا كسماع الموسيقى أو لطرح مسألة فقهية قال بها الفقهاء كإرضاع الكبير كمخرج فقهي يناسب عقل من لا يجيز الاختلاط مطلقا، وهذه المسألة ليست في ردود أفعالهم بحاجة لتأصيل فقهي بقدر ما هي بحاجة لأبحاث تختص بعلماء الاجتماع وعلماء النفس، فمما يروى أن هناك من لم ير وجه زوجته كعادة أصيلة في مجتمعه رغم إنجاب الأطفال؟! فلم استغراب فتوى تناسب مثل هذه التقاليد إن وجدت.

لقد أظهر لنا الزمن درسا لأولي الألباب، بأن محرمي الأطباق الفضائية أصبحوا يملكون قنوات يظهرون فيها ليلا ونهارا، وتدر عليهم أرباحا لا ينكرون أهميتها، ونستنكر فيها فقط تلك القدرة الهائلة على نفي الشيء وإثباته في آن، كمحاربة الحداثة مثلا، والاستغراق فيها حد الثمالة، وإن سألتهم عن هذا التناقض تحايلوا عليك بأساليب سوفسطائية كقولهم: (نحارب الحداثة ولكننا نقبل بالتحديث وهناك فرق!) ليغرقوك في إلزامات دينية ليس لها علاقة بالحداثة ولا بالتحديث، إلا كعلاقة الذين سبقوهم حين اعتبروا الراديو من علامات الساعة إذ ينطق الحديد!، وأجازوه بعد أن أقاموا دراسات شرعية حول ضوابطه المتوهمة!، وأن بإمكانهم أن ينقلوا أصواتهم المحرمة له من خلاله! والمبغضة لصانعيه إذ احتالوا عليهم في الاحتياج إليه وتحليله من باب (ما عمت به البلوى)!، فهل من مدكر؟!.

ختاما لنتذكر أن من حقنا جميعا طرح آرائنا في فضاء باتساع السماء، ما دامت لا تدعو إلى كراهية إثنية عرقية أو طائفية أو مذهبية، فنحن أحرار في آرائنا والتعبير عنها ما دامت لا تشير بالنصل إلى دماء بعضنا من بني الإنسانية.

 

السعودية الشريعة الإسلام الألباني

مقالات ذات علاقة

فاتن حمزة بين رمضانين

مازلنانرى البعض يتنافس في الطاعات والصدقات والتقرب إلى الله ما يشعرناأن رمضان ذاك الذي افتقدناه مازال بوجودهم يعيش بيننا

عبدالله فدعق التجديد ضرورة وليس خيارا

ولا بد أيضا من فهم ماهية التراث الإسلامي وقراءته قراءة واعية ولا بد كذلك من التفريق بين الوحي الإلهي والاجتهاد البشري

أحمد عبد الرحمن العرفج كشف الغطاء في مزايا الحياء!

من المواضِع التي يُستحسن فيها الخجل بل غضّ البصر والصدّ بالوجه حين تدفع بعض الصدقة لفقير