صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الإثنين 20 سبتمبر 2010

طفولة التفكير وانحسار دور المرأة

السعودية العالم العربي العالم العربي

لماذا تنشأ (طفولة التفكير) كظاهرة في بعض المجتمعات، ولماذا هذه الظاهرة الموجودة في كل العالم تؤثر بشكل غير مباشر وبأثر ضعيف جدا في بعض المجتمعات، ولكنها تظهر بشكل فج وبالغ التأثير في مجتمعات أخرى، كل هذه التساؤلات المعقدة نحاول تبسيطها بشكل مخل ربما... ولكنه قريب جدا من واقع هذا المثال.

الطفولة تحمل صفة البراءة الأصلية كنوع من أنواع الجهل البدائي، الطفولة تحمل روحا ورقة بيضاء، الطفولة لا تقدر الزمن ولا تحترمه، الطفولة تؤمن بمقاييسها الذاتية، الطفولة أنانية غالبا، الطفولة صراخ مفاجئ من أجل الخوف أو الرغائب فقط، فكيف ستكون هذه الطفولة إذا سجنت داخل مفاهيمها الخاصة إلى سن الرشد، وامتلكت لسانا ناطقا فصيحا، وإرادة في الانطلاق من خلال لغة فصيحة مع منطق طفولي سقيم، بحثا عن دعوى (الرشاد)؟.

إليكم هذا الطفل الذي تربى مع أب يحمل في داخله كل عقد البطريركية كسمات مجتمعية صرفة، ومع نشأته كان والده يحمله على الأمانة والصدق بشكل صارم جدا، ففي إحدى المرات، عندما أخذ الطفل وعمره خمس سنوات حلوى من دكان صديق والده، قام الوالد عندما علم بذلك بأخذ مسمار وحمّاه في النار، ولم يكو ولده به كما يقول!، ولكنه علمه لذعة النار على قفا يده، التي بقيت أمه تطببها بالنفخ عليها كلما جاء يرفعها إليها شاكيا ألمها، لكن الألم لم يتجاوز الأسبوعين فقط، فكيف تكون مجرد لذعة!، وبعدها بقي أثر على يد الطفل يلحظه كل حين ليتذكر به كما قال له والده: عقوبة السرقة، التي لم يفهم معناها آنذاك عندما مد يده لأخذ الحلوى، فأبوه عوّده على الصمت في وجود من هم أكبر منه، فأراد أخذ الحلوى دون أن يزعج والده بالتصويت عليه برغبته في الحلوى.. هذا كل ما حصل، وليس في ذهنه مفردة السرقة أصلا.

كبر الولد وعندما بلغ عشر سنوات بدأت تظهر عليه علامات الغلام الذي لا صبوة له، إذ مكث عشر سنوات مع أسرة يتميز والدها بهذا المستوى الصارم والدقيق في تربية أبنائه، فكان الولد كما يظهر عليه غاية في الأدب ويغلب عليه الصمت، وعندما يسمع نداء والده يستجيب بردود فعل لا نستطيع أن نسميها إلا (أنه يفز كالذئب مستجيبا للنداء!) فهو سليل أسرة محافظة جدا، وإحدى مفاخرها هذه المحافظة التي بلغت قدرا من الصيت تسامع به كل أرباب الأسر الأخرى، مما جعل أحد الجيران يحاول مفاتحة جاره المحافظ بأن أبناءه ومنهم هذا الصغير، عندما يأتون إلى منزله للعب مع أطفاله، ينشغلون بجهاز التلفاز والفيديو عن مشاركة أبنائه اللعب مما يضطره إلى احترام تسمّرهم مشدوهين أمام التلفاز، وعندما علم من زوجته أن جاره المحافظ، يرى دخول التلفاز انحلالا وضياعا اضطر أن يكظم تساؤلاته الممتزجة بمشاعر التعجب والغيظ معا.

كانت مفاجأة الوالد المحافظ عظيمة عندما أصيب الابن الأكبر بانطواء غير مبرر، فأصبح توحديا بلا مقدمات أو أسباب واضحة جعلت والده يتأكد من أن سمعة أسرته المحافظة كانت سببا في إصابة ابنه بالعين، وعندما أخذ أسرته ليقرأ عليهم الشيخ: كانت المفاجأة أكثر ألما عندما أصيبت أخت الولد بصرع مفاجئ جراء القراءة وقد أكد الراقي أن المصابين هم الأخ وأخته، فأما الولد فـ(مسحور)!، وأما البنت فعندها (نظرة)!، بقي الوالد أكثر تمسكا بتقاليده ومحافظته مبررا كل مصاب أبنائه بتربص الحساد وأصحاب العين، الذين يحيطون به، وبقي ولده صاحب لذعة المسمار خير رفيق لوالده، ومع الزمن تفاجأ بولده هذا وقد تذمر من مرافقته للتاجر كريمان، وعندما ناقشه في سبب تذمره، ذكر له هذا الابن أن كريمان يأخذ البضاعة بخمسين ويبيعها بسبعين، فذكر له الوالد المحافظ أن هذه من بركات البيع والشراء، والربح معقول، وكانت الطامة العظمى عندما أجابه ابنه صاحب (الكي) بكل فجاجة بقوله: طول عمرك تعلمنا على الصدق والأمانة، والآن تسمي أخذ البضاعة بخمسين وإعطائها لآخرين بسبعين (تجارة)، تعجب الوالد من هذا الفهم السقيم، وكرر على ابنه مفهوم التجارة، وأنها تسعة أعشار الرزق، وعندها تجرأ الولد أكثر وقال: والله يا أبي إن حرصك على تجنب ما يخدش صدقنا ومبادئنا جعلني أكرر عليك نصيحتي بأن تتخلى عن تسمية الكذب والتدليس والغش تجارة!، فقد قلت لنا إن الصدق عماد هذه الأسرة وسر قوتها، فهل أخذ البضاعة بخمسين وإعطائها للناس بسبعين من الصدق في شيء أم أنه كذب وغش تسمونه تجارة!، ثم بدأ الولد يسلك طريقا عجيبا في مفاهيم الصواب والخطأ والصدق والكذب، تفسيرات لم يتجاوب معها سوى بعض إخوته الصغار، مما اضطر الوالد بعد أن شعر بمأساته مع هذا الولد أن يخرجه من المنزل، وعندما سألوه عن ابنه الغائب كان يجيب متهربا.. بأنه أرسله عند أعمامه!

في الحقيقة أن السر يكمن في (طفولة التفكير) كخلاص وحيد تتجلى فيه (عقدة أوديب)، أما الطابع الحضاري لما يصنعه الذكر فكما قال مالك بن نبي نقلا عن كتابه (في مهب المعركة) "أما الحضارة التي عليها طابع الذكر فتنتهي إلى الجفاف والعقم والتحجر، لقد كان المجتمع الجاهلي كله تحت سلطة الذكر، وقد كان فيه ما فيه من قسوة، وفيه ما فيه من نزعة التحطيم، حتى إن المولودة كانت، توأد، يئدها أبوها، وحين جاء الإسلام كبت في الذكر دوافع الجفاء والتحطيم، ولم يترك له إلا قدرة التغلب على النفس، وقدرة التنظيم والتوجيه، فكوّن بذلك مجتمعا تتمتع فيه المرأة بكثير من الحقوق، مقابل بعض الواجبات، حتى إن الفقه الإسلامي لم يفرض عليها إلا واجب الزوجية، أما الواجبات المنزلية، كالغسيل والطبخ فإنها ليست مطلوبة منها، وحتى الرضاعة ليست فرضا عليها، بل على الزوج أن يأتي بمرضعة لولده".

والسؤال عن سبب مشاكل هذه الأسرة المتخيلة قد يعود إلى مظاهر الجفاف والعقم والتحجر الذي أشار إليه مالك بن نبي، ولكم أن تتخيلوا وضع الأم ودورها في الحكاية الذي لم يتجاوز النفخ على اليد المحروقة لولدها ابن الخامسة، لتستنبطوا بقية أسباب (طفولة التفكير) في مجتمعاتنا العربية، والتي أخرجت لنا ما يسمى (طفولة اليسار) في القرن الماضي، وها هي الآن تخرج لنا (طفولة اليمين) في قرننا الحالي، لنحوقل مع كلمات عبدالرحمن الأبنودي إذ يقول "بنلف دواير، والدنيا تلف بينا، دايما ننتهي، لمطرح ما ابتدينا، طيور الفجر تايهة، في عتمة المدينة بتدور...... طيور العمر تايهة، في عتمة المدينة بتدور، ساكنين في عالم يعشق الخطر، فيه الطيور تهرب من الشجر، وتهرب النجوم من القمر، وتهرب الوجوه من الصور، بنلف في دواير بندور على الأمان، ونلاقينا رجعنا تاني، لنفس المكان، ندور ندور ندور، نحلم ونحلم بالحياة المفرحة، وأتاري أحلامنا بلا أجنحة، ندور ندور ندور، بجناح حزين مكسور، ساعات نشوف في العتمة، وساعات نتوه في النور". وساعات نتوووه في النور، وصح لسانك يا ابن النيل.

السعودية العالم العربي العالم العربي

مقالات ذات علاقة

ابراهيم عبدالمجيد القيسي الشيطنة سيستيم..!.

هذه المواقف وهذا الاهتمام بالسلبية ليس خيار الناس بل هوالمنجزالشيطاني لسيستم التطبيقات التي تديرالحوار عبر السوشال ميديا

نبيل العسومي رحيل الأستاذ عبدالحليم حسن.. مثال للصدق في القول والإخلاص في العمل

لم يحظ بالمكانة التي يستحقهاكتربوي مؤهل وكخبرة متميزةوأحد المخلصين الحقيقيين الذين افنواأعمارهم في خدمة التربية والتعليم

حسين الرواشدة زمان...كان لنا هيبتان !!

لم تكن لدينا فقط دولة قوية نعتز بها ونلتف حولها ونبادلها المحبة والتحية وانما كان لدينا وطن عزيز فيه نتعاتب ولا نتصارع