صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الأربعاء 15 فبراير 2012

الهمجية معركة الرعاع

السعودية العرب أرسطو همجية

الهمجية مصطلح منحوت عن أصلٍ يعود إلى ذبابة صغيرة كالبعوض، تسقط على وجوه الغنم وأعينها، واشتقت في لسان العرب للرعاع من الناس، وأكره ما يكره العقلاء حقٌ بيد همجي، فكيف بهمجية الباطل، ولهذا تجد الهمجي شخصية مؤذية قريبة جدا من سلوك هذا الذباب، الذي يسقط على وجوه الدواب وأعينها، ولكن بحكم بشريته وحياته بين الناس، فإنه مجازا يجيد السقوط كالذباب الصغير تماما، أقول: يجيد السقوط على وجوه الناس وأعينهم، ويقتات بهذا معنوياً، فلمفردة الهمج أيضا دلالة في الجوع عند العرب ولهذا قال الراجز: قد هَلَكَتْ جارَتُنا من الهَمَجْ، وإِن تَجُعْ تأْكلْ عَتُوداً أَو بَذَجْ.

الهمج من الناس موجودون في كل عصر وجنس بحسبه، فلا تستثني حضرياً أو قبلياً، يحكي شيخ مشايخ إحدى الجهات لأسرته ووجهاء قبيلته فيقول: عندما كنا في جيش ابن سعود مع عموم قبائل الجزيرة لم يختلف شيوخ القبائل في ديارنا حول أني حامل رايتهم بقبيلتي، والسبب أن حامل الراية آنذاك سيكون رأس حربة في المعركة، ثم يستأنف حديثه فيقول: وبعد التوحيد السياسي واستتباب الأمن، جاء ابن موحد الجزيرة لزيارتنا في منطقتنا، فقمنا بترتيب أنفسنا كما عهدناها في جيش والده، لنحتفل بقدومه علينا، فإذا بي أتفاجأ بالهمج يصرخون أن لا راية لنا تسبقهم، وقد تركتهم تجنباً للفتنة، وكان يسأل مستنكراً: لماذا لم يرفعوا أصواتهم طلبا لراية الحرب، عندما كانت دماء قبيلتي هي الثمن، ولماذا يجادلونني عليها الآن، عندما أصبحت راية المقدمية تنصب على خيام (الأرز واللحم)؟!

عند الحضر ما يشبه هذه الحكاية، تحفظه بيوتاتهم العريقة، ولمن لا يعرف مثلا عراقة الحجاز وأهله، فليتهم نفسه، ومرجعيته التاريخية، فسلاحهم أمضى من السيف، والتاريخ خير شاهد، فقد أمضوا بأقلامهم وعقولهم ما تمضيه القبيلة بسيوفها ورجالها.

أعود للهمج دون استثناء أي لون وعرق فأقول: إنهم يندسون كأفراد وسط الجموع ليصنعوا ظاهرة ما يسمى بالجماهير وهذا ما أشار إليه المنظر الاجتماعي غوستاف لوبون عندما قال: لا ريب في أن الجماهير تبرهن على انحطاط أخلاقي غالباً، ولكن لماذا؟ لسبب بسيط هو أن غرائز التوحش الهدامة عبارة عن بقايا العصور البدائية النائمة في أعماق كلٍ منا، وسوف يكون من الخطر إرضاؤها أو إشباعها بالنسبة للفرد المعزول، ولهذا ينخرط الفرد في جمهور غير مسؤول يجعله قادرا على اتباعها دون تعرضه للمعاقبة، ولما كنا غير قادرين عادة على ممارسة هذه الغرائز الهدامة على أشباهنا فإننا نحرص على ممارستها على الحيوانات، والهوس بالصيد كضراوة الجماهير مشتقان من مصدر واحد، فالجمهور الذي يمزق إربا إربا وببطء ضحية لا تستطيع الدفاع عن نفسها، يبرهن على قسوة جبانة جدا، ولكنه بالنسبة للفيلسوف يشبه تماما جماعة الصيادين المجتمعين لكي يشاهدوا بنوع من المتعة كيف تمزق كلابهم غزالا بائسا كانوا قد اصطادوه. وكان التاريخ المكتوب أول ما تحدث عنهم في محاكمة سقراط من خلال محكمةٍ قضاتها الجماهير، وكذلك مع أرسطو، وكلٌ منهما اختار ما يناسبه، ما بين شرب السم، أو لن يوفر لأثينا فرصة ثانية، لتخطئ في حق الفلسفة.

الهمجية سلوك نشاهده عند أولئك الذين يجتمعون على الحوادث دون مساعدة، الهمج هم أولئك الذين تقبع بطولاتهم داخل الفوضى والصراخ، الهمج هم أقزام فرديون لكنهم عمالقة وسط الجموع، الهمج أناس حتى هذه اللحظة ومع شهاداتهم العليا يتلذذون بالهمجية في أي ضحية يفلتون عليها كلابهم ليقطعوها إربا وهم يتلمظون، الهمجية ساحةٌ، الكل فيها منتصر بالصراخ، والكل فيها قائدٌ وبطل، فالهمج أبطال المعارك التي تضيع فيها الراية، ويتحد فيها الهدف، كما رأينا في الهمجية المتبادلة بين معمر القذافي وخصومه، فمن زرع الهمجية لن يحصد إلا إياها "إن دقت ساعة الحساب" ليَصدُق على هذه الأمة ما قاله المفكرون من أن: "الأمم المتخلفة إذا ساعدتها أمم متطورة قد تتحول إلى متهورة".

من حق العقلاء أن يكرهوا الهمجية ويحذروها على أنفسهم، ويحذروا منها، ومن حقهم أن يميزوا كلمات الحق ممن يريد بها باطلا، أو يسوقها إلى باطل، لأغراض سخيفة، تجيد اللعب بنار تجمع الهمج، فتراهم يصيحون في كل واد، بدعاوى تؤكد همجيتهم، فيتصنعون المبادئ والأخلاق الآنية ليشبعوا غرائزهم البدائية في القتل والسحل والتقطيع تحت دعوى الخلق القويم.

تسألون من الهمجي باختصار: هو أولاً وأخيراً ذلك الإنسان الذي يعتقد بالهمجية، وكل من لا يعتقد بها فهو خارج دائرتها التي جعلت النبي الكريم يقول لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية، وما زالت الباغية في كل زمان ومكان حتى هذه اللحظة تتأول تخريجات تستبيح بها دماء خصومها، لتبقى دماء عمار بن ياسر دليلا على أن الهمجية تمتلك أيضا سلاحها المعنوي في التأويل والتكييف فإن غلبها الحق، راوغت برفع المصاحف، فهي بين حق تصرخ به لتقود الناس إلى باطل، أو باطل مكشوف تستره برفع المصاحف.

الهمج وإن حملوا السيوف على خواصرهم، فلن تحمل أرواحهم نبالة الفرسان وشهامتهم وشرف خصومتهم مع عدوهم، لأن الهمج ليسوا سوى أبطال في الخذف، والخذف لمن لا يعرفه هو الرمي بحصى صغار بين سبابتين، وقد نهى عنه الرسول الكريم لأنه ليس إلا لفقء العين أو كسر السن ولا يتلذذ بذلك سوى الهمج، أما الفارس فيقارع السيف بالسيف، إن كانت معركة ميدان وسنان، والحجة بالحجة، إن كانت معركة برهان وبيان، مع شرف ونبل، حتى أن الإمام علي كرم الله وجهه كان يستنكف عن قتل عدوه إن رأى في رفع سيفه شيئا من شهوة النفس للتوحش والمغالبة والغضب والحقد والهمجية، لا شيئا نقيا صافيا من أخلاط النفس، فيرى الإخلاص المحقق لتكون كلمة الله هي العليا، فويل للمطففين، ويل للمطففين.

السعودية العرب أرسطو همجية

مقالات ذات علاقة

مشاري الذايدي الهمجية الأناركية... إذ تشبه همجية «داعش»

الهجوم العالمي الفوضوي، من خليط من المؤدلجين «الأناركيين» مع متطرفي اليسار، مع كارهي الغرب،

عبد الرحمن الراشد معركة الإنسان ضد العنصرية

أصعب امتحان للإنسان المتحضر هو التعايش مع بني جنسه. حتى بعد قرون من نشر المفاهيم السامية لا يزال في داخله عنصرية ظالمة.

ريهام زامكة خُرافات

يمتلك بعض البشر إبداعاً خارقاً في إيجاد واختلاق (الخُرافات)، وهذه النوعية من البشر لديها إيمان مطلق ومُصدق بها،