صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الإثنين 08 أكتوبر 2012

المثقف قصيدة أم نظم؟

السعودية عباس محمود العقاد المثقفين

من هو المثقف؟ السؤال يتكرر دائماً، ولأنه يتردد دائماً، فإن للتكرار دلالة، تعني أن الأزمة تكمن في السؤال الصحيح وهو: لماذا نسأل من هو المثقف؟

فليكن المثقف كعباس العقاد صاحب التعليم الأولي، أو ليكن كطه حسين صاحب أطروحتي دكتوراه، إحداهما من مصر والأخرى من فرنسا، ليكن المثقف كحسن حنفي الذي يتقن الإنجليزية والفرنسية والألمانية، أو ليكن كمحمد باقر الصدر صاحب (فلسفتنا) و(اقتصادنا) و(الأسس المنطقية للاستقراء) ولا يتقن سوى لغته الأم، ليكن المثقف سجين رأي ومبدأ كأحمد فؤاد نجم. ليكن المثقف رافضاً للجوائز كصنع الله إبراهيم، أو متعطشاً للمناصب والامتيازات في أحلك ظروف شعبه كجابر عصفور، أو ليكن المثقف فلاحاً عاشقاً لمزرعته كجودت سعيد، أو رئيس دولة كالمنصف المرزوقي.

المثقف في عصر الحداثة ليس ابناً للثنائيات ـ أبيض أسود، ليل نهار ـ... فالمثقف تجده في كل الحالات، وبكل الألوان، فلماذا السؤال (من هو المثقف)؟ أظن السؤال يأتي عندما نجد من المثقفين من يرغب بفضل معرفته المتميزة أن يحصل على امتيازات خاصة، إذاً فالسؤال ليس سؤال ثقافة، بل سؤال امتيازات، والإجابة عليه ليس لها علاقة بالثقافة بقدر علاقتها بلعبة الامتيازات وصراعاتها.

ومنهج الصراع على الامتيازات ليس له علاقة بمعارفنا وعلومنا، بقدر علاقته بالطبع الخاص للفرد، الذي يراوح بين مثقف يعيش كبرياء سقراط في شرف الخصومة، وبين مثقف آخر يؤمن بأدبيات مكيافيللي في إدارة الصراع.

من هو المثقف الحقيقي؟ في هذا السؤال أضفنا شرط (الحقيقة) والإجابة عليه باختصار تعود إلى الشرط الوجودي النسبي لمفردة (الحقيقة) فبالإمكان أن نقول: المثقف الحقيقي هو كل من يحاول الاقتراب من الغاية الفلسفية في ثلاثية (الحق والخير والجمال) لنرى من يسعى إليها، كلٌ بحسبه، من مناضل سجين، إلى سياسي وزير، إلى شاعر، إلى روائي، إلى مفكر، إلى مسرحي، إلى مصور فوتوغرافي، إلى ممثل، إلى كاتب سيناريو، إلى مخرج، إلى أكاديمي، إلى رسام، إلى محام، إلى ناشط اجتماعي إلى ما شاء فضاء الفكر الإنساني، وصولاً إلى من شاب رأسه لأجل (هذه اللحظة التاريخية) وهو صاحب بوفيه لبيع السندوتشات، ويوفر الإنترنت لشباب تونس.

كلما زاد انشغالنا بأي شكل من الأشكال بقيم (الحق والخير والجمال) كلما اقتربنا من حقيقة الثقافة وجدارة الاستحقاق للقب مثقف ـ عند من يراه امتيازاً ـ رغم أن المثقف في حقيقته يعني ورطة وجودية ومسؤولية بؤس عند العارفين بهذه الأثافي الثلاثة لموقد الثقافة، وخصوصاً عندما نقف مع أولى الأثافي (الحق ) متجاهلين (الخير والجمال) فنتجه إلى خيار (برهان غليون) في تأييد المقاومة المسلحة مع ما فيها من قتل متبادل في سورية، أو نحاول الجمع بينها فنبقى على مبادئ اللاعنف كما فعل (هيثم مناع) الذي لا يزايد أحد على تاريخه النقي والعريق، ومواقفه الوطنية، هل نحن هنا بين هيثم مناع وبرهان غليون نستعيد ما قلناه آنفاً عن أخلاقية سقراط في تجرعه الهادئ للسم، وتبريرات مكيافيللي في الوصول للغاية، إنها القيم (الحق والخير والجمال) عندما نحاولها وسط الواقع السوري، وقد تحول إلى صندوق باندورا.

هل يعني هذا أن المثقف ليس من البشر؟ إنه بشر، لكنه مشطور الروح فنصفه شاعر، ونصفه الآخر طاغية، وليس له من دواء إلا (الزمن) فيعلمه كيف يعيش ملكوت الشاعر بجبروت الطاغية.

من هو المثقف إذاً؟ إنه براءة الأطفال، وقلق العصافير.. إنه صبر النساء، وحنكة الكهول.. إنه عنوان الأنبياء، وتفاصيل الفلاسفة.... إنه شِعرٌ حُرّ بموسيقى داخلية.

 

 

 

السعودية عباس محمود العقاد المثقفين

مقالات ذات علاقة

مشاري الذايدي رمضان الجابري تعال إلينا

مع بداية هذا الشهر الفاضل شهر رمضان وهو مناسبة روحية واجتماعية راقية تذكّرت والذكرى تبعث الشجى

عبدالله فدعق التجديد ضرورة وليس خيارا

ولا بد أيضا من فهم ماهية التراث الإسلامي وقراءته قراءة واعية ولا بد كذلك من التفريق بين الوحي الإلهي والاجتهاد البشري

مجاهد عبد المتعالي سؤال البداوة وشوفينية المثقف العربي

أخيرا أيها المثقف العربي البائس أفق وتخلص من الهراءنتيجة تعاطي أفيون الشوفينية سيقودك الإدمان دون أن تشعر إلى إنشاءمراكز