أقزام السائد والمعتاد

السعودية إسرائيل عمر بن الخطاب رئيس الوزراء العدل

من أكثر الأشياء إثارة للحيرة، ما يواجهه المثقف عندما يتحدث عن أمثلة النهضة، فعندما يذكّر الناس بحكمة علي كرم الله وجهه، وعدالة عمر رضي الله عنه، يجد من ينبري من أوساط هؤلاء الناس للدفاع عن السائد والمعتاد بحجج منها أن هؤلاء صحابة، ولسنا صحابة، وأن ذاك عهد عايش النبوة وإشراقها، وهم سلف ونحن خلف الخلف.... فلا تطالب بمثاليات لا نستطيعها.

وعندما تأتي من جهة أخرى فتستشهد بانتحار وزير ياباني بسبب سوء إدارته للمشاريع... أو إحالة رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت للمحاكمة بتهم الفساد... ينبري لك أيضاً من أوساط هؤلاء الناس للدفاع عن السائد والمعتاد بحجج منها... هؤلاء الكفار ليست أفعالهم بحجة، فلدينا القرآن الكريم والسنة النبوية، وكل هذا الكلام ليس إلا تزيينا لأفكار الماسونية والتغريب، وإعجابا بظاهر الحياة الدنيا.... إلخ.

إن هؤلاء الأقزام المدافعين عن السائد والمعتاد ليس هدفهم النهضة بأي حال، لا شرقية ولا غربية، لا تراثاً ولا حداثة، بل هدفهم بقاء الحال، ولكن معارضتهم دائماً تلبس لبوس الحداثة حيناً، وحيناً لبوس التراث، مع قدرة هائلة على إشغال العموم بقضايا الهامش، فمن أخجل المخجلات على النفس أن نعيد ونزيد في موضوع قيادة المرأة للسيارة.... ومن أخجل المخجلات أن تهرب العاملة المنزلية لعدم استلام راتبها لعدة أشهر فيتم القبض عليها وإيداعها التوقيف لحين حضور كفيلها فتحتج بعدم استلام الراتب، ويحتج كفيلها هرباً من دفع مستحقاتها بأنها سرقته، فتمضي في مرافعتها من داخل التوقيف سجينة، ويمضي مدافعته حرّاً بين أبنائه.... فلا نساؤنا سلموا من تسلطنا وظلمنا، ولا نساء العالمين ممن جاؤوا للعمل عندنا.

يصيبك القرف حيناً من نفسك وأنت ترى كل هذه القسوة حولك، ولا تستطيع حيالها سوى الصمت، ذلك الصمت المخزي للنفس قبل المجتمع.

إذا كان تراثنا الإسلامي في جزئه المشرق لا يُقبَل كمرجع حقيقي للحياة اليومية، ولكن لا بأس منه في الرقائق والمواعظ، والشعارات الدعويَّة، ولكن دون أن تتحول المسألة إلى قوانين ومساءلات من نوع: ( من أين لك هذا؟) فهذا من المحال.... الممكن فقط أن نلتمس من التراث صراعات جانبية لا أثر لها على اقتصاد البلد والمحافظة على المال العام... قضايا من نوع: هل يجوز ضرب الدف في الزواج؟ هل يجوز لبس البنطال للمرأة عند الأقارب من النساء وفي غير السوق؟ ما حكم نتف الحواجب؟ أما أسئلة من نوع: نعلم حرمة أكل أموال الناس بالباطل، ولكن ما الأنظمة التي وضعت لضمان ذلك، وهل أثبتت كفايتها؟ وما دور المجتمع حيال ذلك؟ فدونها خرط القتاد.

الفساد الأخلاقي الظاهر الذي يتذمر منه العامة من الناس، ويفرغون فيه كبتهم النقدي، هو نتاج طبيعي لفساد أعمق في نسيج المجتمع، وأعظم الفساد النفاق، والدعوة إليه، وقد يسأل سائل: وكيف تتم الدعوة إلى النفاق؟ تتم بالحرص الدائم والقسري على مراعاة (دعوى الطهارة)، دون العناية بالطهارة نفسها، عندها تهتم المجتمعات بالشكلانية على حساب المعنى، فتظهر عناوين من نوع المقهى الإسلامي... المناكير الإسلامية! النقاب الإسلامي! ليختلط العقل الاستهلاكي بالضمير الديني لمجتمع ملوث برأسمالية رثة وهشة، فنصل إلى ساعة صينية رديئة الصنع لكنها تردد الآذان في وقت الصلاة، لنسمّي الصناعة الوثنية/الصينية بمجرد صوت المؤذن ساعة إسلامية!، كأننا نعيش في بلاد غير المسلمين، فلا مساجد ولا مآذن نسمعها تردد الحق: (الله أكبر الله أكبر..) خمس مرّات في اليوم، فهل نحن بحاجة إلى مؤذن نحمله بأيدينا! لكنه العقل الصيني عندما يفكر بالاستثمار والتسويق، لعقل المسلم المعطل حتى عن حياكة سجادة صلاته.

لا يمكن أن ننكر أن الإشكال أكثر تعقيداً من أن تحله الأنظمة والتعليمات، فغالباً إن حصل وشُرِّعَت الأنظمة فسنفاجأ بتطبيق لمحاربة الفساد، يشبه تطبيقات الديموقراطية في الجمهوريات العربية قبل الربيع العربي، حيث الانتخابات وصناديق الاقتراع تؤدي إلى تسعة وتسعين بالمئة، ولن نجد حلاً إلا فيما حكاه علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عندما تعجب الفاروق من أمانة قادته في غزو الفرس والروم عندما أدوا له ما أذهله من ذهب كسرى وقيصر، فقال: إن أناساً أدَّوا إليَّ مثل هذا لأُمنَاء.. فقال الإمام علي رضي الله عنه: والله لو رتعت لرتعوا... وهنا نصل إلى الفيصل الحقيقي لإشكالية الاقتصاد وأزمات المال والأعمال في كثير من بلدان العالم الثالث... والتي تعود إلى أسباب أكثر تجذراً وتعقيداً من أي مثال تراثي أستقيه، لكنها مختصرات المقال العابر وضروراته، وفي ذوي الألباب نظرٌ أعمق يصل التراث العربي، بأطروحات مونتسكيو في (فصل السلطات)، بتوجهات الكواكبي لكشف (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)، بمصل مالك بن نبي ضد (القابلية للاستعمار).

 

السعودية إسرائيل عمر بن الخطاب رئيس الوزراء العدل

مقالات ذات علاقة

عبد الرحمن الراشد هل دمرت إسرائيل المفاوضات؟

يتم تدمير مركز الطاقة في مفاعل نطنز النووي بعد 24 ساعة من تشغيله. والأرجح أن الإسرائيليين لم يضعوا الجانب الأميركي

مشعل السديري «حماس» هي الابن الروحي للخميني

انظروا للانتخابات المزمع إجراؤها في (بقايا) الضفة الغربية وغزة، والمماحكات بين فتح و«حماس»، وماذا سوف تكون نتائجها؟!

مها الشهري من الاجتهاد إلى النص القانوني

إن صياغة الأحكام بحاجة إلى إطار ينظمها ويجعلها عملية أكثر من الترجيح والاجتهاد