صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الإثنين 04 نوفمبر 2013

المرأة جسد أم أنا؟

السعودية حوادث الجسد

هل فعلاً عند مجتمعنا مشكلة تجاه وجود المرأة في الفضاء العام؟ لا... لا مشكلة.. فها نحن نراهن في الأسواق وفي المهرجانات وفي المستشفيات، بل ونراهن حتى صاحبات محلات في الأسواق الشعبية، نراهن عائدات على أقدامهن من المدرسة فرادى وجماعات، نراهن لكن بشرطنا في (كأننا لا نراهن)، نراهن مجتمعات في سيارة بسائقها يقطعن الفيافي والقفار للوصول إلى مدرستهن في الموعد المحدد، للأسف (نراهن وكأننا لا نراهن)، باستثناء التغطية الصحفية لحالات وفاتهن أثناء وصولهن لأعمالهن في حوادث الطريق، ولنلاحظ أننا نقبل المرأة في كل هذا وأكثر منه ما دامت (نراها ولا نراها).

ركزوا معي في هذه الجزئيات الصغيرة كظواهر اجتماعية نحاول فيها تفكيك وتحديد المشكلة أكثر وأكثر، يأتي أحدهم ويتزوج ثم يبدأ مناداة زوجته بأم سعود قبل أن تنجب، ثم يأتي الأطفال، وتأتي الفاجعة أن يكبر الأطفال وتسأل أكبرهم وهو في الصف الخامس، ما اسم أمك فيقول: اسمها أم سعود، وعندما تعيد عليه السؤال: يجيبك بصدق أنه لم يطرأ على عقله الصغير أن يعرف اسم أمه، فالكل يناديها أم سعود منذ عرف نفسه... حتى أبوه وحتى جدته.

لا تتوهموا هذا من باب التقدير، بل محاولة اجتماعية لإزاحة المرأة كإنسان إلى منطقة الأم الآمنة لا مجرد اسم الزوجة القابل لكل الاحتمالات، إنها منطقة نرى فيها الزوجة ولا نراها، نرى فيها الأم فقط، لكن يجب ألا نرى فيها المرأة المحبوبة لزوجها باسمها الصريح، فالحب بأي معنى لا يتجاوز معاني الإنجاب وما يؤدي إليه، ولهذا فلا بد من حجاب وقفاز لاسمها العاري المجرد، وليكن تحت غطاء (أم فلان).

يذهب أحدهم إلى المحكمة ويحضر بناته معه ليوكلنه في بعض أعمالهن، فيتفاجأ بأحدهم يتطوع لنصيحته بأن يحضر لبطاقات الأحوال المدنية (جرابا إسلاميا) كي لا تنكشف وجوههن عند إعطاء البطاقة للقاضي أو كاتب العدل، والطامة أن يؤيد الموظفون هذا الاقتراح، ليقوم أحدهم بتصوير بطاقاتهن مع طمس الوجه، فيسأل هذا الأب العاقل: إذًا ما فائدة إصدار الهوية الوطنية لهن كمواطنات ما دمتم لا ترون ضرورة في إظهار الوجه، كان يكفي أن تبقى رقماً في كرت والدها أو زوجها، فيمسك أحدهم بيد هذا الأب كالناصح ويقول: قد يقوم بعض الموظفين بالنظر إلى وجهها في البطاقة، وهذا لا يرضي مَن في قلبه مثقال ذرة من غيرة!؟، فيستعيد هذا الأب شريط ذاكرته القديم عندما سمع الواعظ قبل أكثر من ثلاثة عقود وهو يقول: يا إخوان كيف ترضون أن تنظر نساؤكم للمذيع الوسيم الجميل ويشتهينه وأنتم جلوس معهن في غرفة واحدة على هذا التلفاز المحرم الذي يجعل زوجتك وابنتك تنظران للرجال دون غض للطرف كما أمر الله، يتذكر هذا الأب تلك المواعظ القديمة، ثم يتساءل هل يعقل أن هناك من يعيش نفس الذهان النفسي بعد ما يقرب من أربعين عاما، وصولاً إلى صورة في بطاقة أحوال؟!، عندما حكى لي أحدهم هذه الحكاية تفاجأت بكثير من الموجودين يؤكدون أن أغلب الإدارات الحكومية عندما ترفق صورة لبطاقة المرأة فإنها تقوم بطمس صورة وجهها قبل إرفاقها بالأوراق الرسمية للمعاملة، لتصبح الهوية الوطنية بلا قيمة بمعناها التجريدي، وهنا تتعرى المأساة بشكلها الواضح، فالوجه في المجتمع الطبيعي ليس إلا عنوان الهوية للأنا، ولكنه عندنا يصبح عنوانا للجسد فقط، وهذا ما لا يمكن السماح به فيجب أن تبقى كما ذكرت سابقاً في منطقة نراها ولا نراها، منطقة موجودة وغير موجودة، لأننا إن رأيناها واعتدنا على رؤيتنا لها سنضطر أن نراها إنسانا مستقلا (الأنا)، وهذا ما يربك الفكر الرجعي والمتعصب، فمهما راوغ هذا الفكر المتعصب بعبارة: هن شقائق الرجال، إلا أنه يظل حريصاً على أن تبقى الشقائق في أرض الحرملك التي تطمس هويتها وتلغي أناها، هل عرفنا الآن لماذا البعض وتحت دعوى الفضيلة يريد أن نرى المرأة كجسد، ولكن ممنوع أن نراها كأنا.

إن رأيناها كجسد فسيبقى حارسا لحديقة الحيوانات ولفحول القطيع من إناثه، أما الأنا ووجودها في الفضاء العام فهي كسر لقامته الوجودية، إذ يظهر الإنسان الطبيعي... ومنه المجتمع الطبيعي فقط دون أوهام سفينة النجاة وأخلاق التطبع بالمواعظ التي ترسب في كل اختبار حقيقي للطبع.

البعض يقول المسألة مشكلة أنظمة، وآخرون يقولون إن المسألة تكمن في العادات، ولكن كما كانت العادات قبل نصف قرن غيرها الآن، فبالإمكان العودة للوراء، أو التقدم للأمام وإعادة المرأة للفضاء العام كشريكة حقيقية نراها وترانا، دون تأويلات الرؤية التي لا تتجاوز الذين وصفهم الله بمرضى القلوب، والمرض عادة لا يكون عاماً لكنه خاص بالقلة التي سيقصيها المجتمع في كانتونات الحجر الصحي ليعيش سلامة طباعه ونقاء سريرته، فكيف أصبح المرض هو القاعدة والسلامة هي الاستثناء؟! فالوباء الأخلاقي حالة عمومية أفسدت على المجتمع بلا استثناء تناغمه الطبيعي، والتناغم الطبيعي بمعنى أن تعود المفاهيم القديمة الطبيعية التي نجدها في كل البلاد، من المروءة والشهامة والنخوة، فلقد تم وأدها عندنا تحت دعوى حراسة الفضيلة، فأقصى مفاهيم المروءة والشهامة والنخوة أن تتحول إلى قتاتٍ لصالح هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!؟، بقي سؤال أخير: هل حادثة سوق الظهران نتاج طبيعي لهذا التغييب، فإن ظهرت المرأة السعودية في السوق كما تظهر تماما في دبي أو الكويت أو الدوحة يبدأ المجتمع بإظهار تورمه الأخلاقي الذي يخبئ تحته خُرَّاجاً مسعوراً عقاباً لها وتحجيما لتلقائيتها كإنسانة؟ ما حدث في مجمع الظهران التجاري هو تعرية اجتماعية للمنهج الذي يتعمد أبلسة المرأة وشيطنتها، ليبقى الشاب في حل من ضبط غريزته، فالشيطان أقوى منه في هذه الحالة، وعليه فالرجم للشيطان وتمثله المرأة وليس للشاب الضعيف الذي أغوته، هذا هو تفكير كثير من الحكواتيين والوعاظ، وهكذا لقنت أجيال عبر عقود، والحل أبداً ليس في زيادة عدد الجلدات، ولا بتغييب المرأة عبر شيطنتها لتصبح رجيمة، بل بإعادة الرجولة إلى شبابنا، فهي الضابط الحقيقي للفحولة المنفلتة لبهيمية النفس.

ختاماً: إكرام المرأة هو عين إكرام الرجل، فأي مجتمع يريد أن يرى رجولة حقيقية مليئة بالعنفوان النبيل وتقاليد الفروسية الحقيقية فليبحث عن مجتمع ترى فيه المرأة كاملة الحرية، فالحرائر يصنعن الأحرار، والاستبداد يبدأ من هناك حيث تسكن المرأة، فإذا عرفت المرأة طريق الحرية ـ دون وساوس (مرضى المفاهيم) ـ فسيصنع المجتمع شراكته الحقيقية بين طرفين حرّين لتحقيق نهضة الأمة الحقيقية، بدل طرف يرى في الطرف الآخر جاريته التي يستمتع بها تحت دروس الواجبات التي عليها، ولتنشأ على ذلك مغيبة عن معنى حقوقها كإنسانة، دون تهويمات الاستغفال بحقوقها كأم أو زوجة أو ابنة، إن المرأة إنسان أولاً كإيَّاك إن كنت رجلا حقيقياً.. فافهم... افهم... حاول أن تفهم..

 

السعودية حوادث الجسد

مقالات ذات علاقة

مشعل السديري مهمات الطائرات المختلفة

صدق من قال يا من شرا له من حلاله علّة وإليكم الدليل توفي رجل أعمال هندي (مليونير) بعدما صدمته طائرته الخاصة

عيسى الغيث الحوادث المرورية

يبدو أن مشغلي نظام ساهر (الشركات الخاصة) استهدفوا المواقع التي تكثر بها احتمالية تجاوز المركبات للسرعات القانونية

مشعل السديري عزف (السيمفونيات)

هناك حوادث غرق مميتة تحدث في جميع أنحاء العالم سواء على شواطئ البحار، أو في داخل أحواض المسابح في المنازل أو النوادي،