صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الأربعاء 29 يناير 2014

سيدتي.. اللغة ليست ذكورية

السعودية اللغة العربية مركز الدراسات والبحوث اللغة الفرنسية ذكورية

لا تصدقي أن اللغة العربية ذكورية، فهذا فهم يحرص الذكور على تكريسه في عقلك، لا تصدقي دراساتهم البنيوية فقد سبقهم آخرون بقراءات في اللغة الفرنسية واكتشفوا كم في الفرنسية من مفردة كانت دلالتها ذكورية، ثم تحولت إلى دلالة مفتوحة، لتؤكد على نضال المرأة الطويل في قيادتها للرجل إلى التمدن والحضارة، منذ أن كنت آلهته القديمة ثم علمتيه الزراعة كي يستقر، يوم كان يصر على التيه في البراري بحثاً عن الصيد فقط.

تذكري أن اللغة كائن حي يقبل التخلق والتعدد، واللؤم فقط في أولئك الذين يريدون هزيمتك حتى في لغتك عبر إفهامك بأن سيطرة الذكور قدرٌ لازم حتى في حركة لسانك بالكلام، لا تصدقي هذا، فاللغة مرنة مطواعة تجعل الجبل مذكراً إن كان وحيداً، ولكنه مؤنث إذا اجتمع بغيره من الجبال، اللغة ليست بناء نسقيا جامدا لا يمكن التحكم به كما يريد أن يفهمك بذلك فقهاء اللغة الجدد، بل هي حياة ونمو ومرايا نظر، واشتقاقات لا تنتهي إلا لتبدأ.

اللغة هدفها التواصل، وستنمو أكثر وأكثر باتجاه خدمة هذا التواصل فقط، ولن تستأذن أحداً، سيموت سدنة اللغة غبناً على تكسر صنمهم، يحكي لي أحد الأصدقاء عن حفلة أقيمت بمنزلهم العامر، وحضرها جمع غفير من الناس بكل الأعمار، يقول: عملنا مسابقة بين كبار السن ممن تجاوز الستين والشباب في سن العشرين، وجعلناهم في صفين متقابلين، وكانت المسابقة هي في مفردات اللغة، أن يأتي الجيل القديم بكلمة معروفة عندهم، ثم يأتي الجيل الجديد بمعناها، وقد فشلوا في ذلك، ثم يسأل الشباب الجيل القديم عن مفردة يستخدمونها ويحاول الجيل القديم الإجابة، وقد فشلوا أيضاً في ذلك، يقول صديقي: لا تعرف كم أذهلني كمّ الكلمات القديمة التي لم أعرف معناها، رغم أني كنت أظن نفسي مخضرماً، والفاجع، أني لم أفهم كلمة واحدة من كلمات الجيل الجديد أيضاً، فما تفسيرك لهذه الحادثة؟

لا تفسير معقد، الأمر ببساطة ليس له دخل في أوهام النسق بل في الواقع المادي الذي يفرض التداول والدلالة، فكل المفردات التي استشهد بها كبار السن كانت تشير إلى كلمات كانوا يستخدمونها في زمنهم لواقع مادي لم يعد موجوداً، والجيل الجديد استخدم مفردات تشير إلى عصرهم الذي يعيشون فيه، حتى أساليب الوصف تعتمد على الواقع المادي الذي يستجلب الاشتقاق للمفردة القديمة أو الحديثة، ويبقى السؤال الأعمق الذي يضطر اللغويين إلى أن يدسوا رأسهم في التراب هرباً منه ما داموا بعيدين عن فلسفة اللغة: ما دامت هذه المسابقة بين جيلين الفارق بينهما أربعة عقود فقط، أظهرت هذه الفجوة، فكم هو المطمور -عبر مئات السنين والأماكن- من كلمة نظن فهمها كفهم الأولين لها، وقد تغيرت دلالتها عندنا وفق معطى عصرنا المادي؟ وكم انطمر مما لا نعرفه ونظن وهماً أنه محفوظ في لسان العرب لابن منظور؟ إنها سذاجة لا تقدر العقل البشري الذي أنتج كل هذه اللغات وملايين المفردات وما يستتبعها من تحول في الدلالات والاشتقاقات عبر التحولات المادية في التاريخ والجغرافيا.

نزار قباني ليس ذكورياً مهما ألفوا ضده من كتب، بل هو ثائر أول في لغته وتراكيبه، حتى (أنوار السيارات) نجدها في ديوانه الشعري والمستنوقين ما زالوا واقفين بأطلالهم، فلا تصدقوا من يريد ترسيخ ذكورية اللغة واستحالة الثورة عليها، إنهم ينقدونه ليعيدوا ظله وأثره إلى قطيعهم الذكوري الذي أسموه (نسقاً) بعد أن عجزوا عنه كثائر لغوي إلى آخر لحظة في حياته، وذلك عندما عجزوا عن الركض مع نزار بعيداً عن صَنَّة الفحل في أجسادهم.

نزار لم يكن فحلاً في الشعر العربي، بل كان رجلاً ينضح نبالة في كلماته لأجل هذه المرأة، لكن هذا النبل يستفز مكبوت الفحول، كجفاة الطبع عندما يسمعون نبيلاً يقول لامرأة: (تفضلي أمامي من هنا)، ليضجوا بالصراخ "إنه يراودها عن نفسها بمعسول الكلام"، فقاموسهم لا يتجاوز ظنونهم المريضة وجفوتهم في عبارة: (امشي ورائي من هنا).

نزار لم يكن ماجناً وهو في أقصى مفرداته الفاضحة لزيفنا، فعندما يخرج مكبوتنا للشمس كي تموت بكتيريا الظل الفحولي بداخلنا، نثور ونهيج، كم يؤلمنا تعرية مضمرنا من خلال رجل حمل راية فضح الفحولة في سبيل انتصار الرجولة، والفحول يكرهون من يفضحهم، ويتهمونه بأدوائهم، لتتعرى عبرهم وبهم (المرايا المحدبة) التي كانوا ينظرون بها.

سيدتي لا تصدقي الرجل عندما يقول: اللغة ذكورية، اللغة مجرد ماء والواقع المادي هو الكأس، ولا ريب أن الرجل قد صنع كأسه الخاصة وسكب اللغة فيها ثم يتحايل عليك أن تقرئي شكل الماء من خلال كأسه، صدقيني اللغة محايدة وسينقلب السحر على الساحر إن رآك منصرفة عن النظر إلى اللغة من خلال الكأس التي بيده، اصنعي كأسك واسكبي لغتك وسترين أن الدلالة قد تغيرت لنفس الكلمة التي كنت تظنينها مفرطة الذكورية، وتذكري... اللغة مرنة، إنها مجرد ماء نقي للتداول، الخطر يكمن في الدلالة التي تصنعها الكأس وواقعك هو الوحيد الذي يصنع كأسك لتري لغتك وقد نحتتها يد أنثى، تلك اليد التي يقبل منها الذكور الطعام، لكن هل يقبلوا من هذه اليد نحت الكلام؟!.

إنها حرب لغة يصنعها الذكور كمعقل أخير ضدك أيتها المرأة، إنهم يريدون ترسيخ قدرك مع هيمنة الذكر حتى في مفردات لغتك، لتهربي إلى لغة غربية عند الحديث مع رجل شرقي، هرباً من وهم الذكورية في اللغة العربية، إنه مجرد وهم ضخم كبالونة بحجم منطاد، دبوس بسيط لواقع مادي تصنعه المرأة سيفضح كل الكتب النقدية التي تعبأتي بها حول حصار الذكر لك حتى في (لغتك الأم)، هل لاحظت مفردة الأم عندما استخدمناها للدلالة على الأصل والجذر؟ لا تتوهمي في اللغة ما يريدونه من تكريس، الواقع الذكوري أيضاً له سحرته، كما تفعل أميركا بخيلها ورجالها كما لو أنها لم تهزم في فيتنام، وتفشل في العراق، وتترنح الآن.

تذكري سيدتي أن مفردة (لغة) تنتهي بتاء التأنيث، ولكن لا تتطرفي لتكرري أخطاء الذكور فاللغة كائن لا جنس له كي يوصف بذكورة أو أنوثة، الفرق الخطير يكمن في أولئك الذكور الذين يحتكرون فضاءك المادي ليصنعوا من اللغة دلالتهم القاسية، الفيصل في الدلالة وليس في اللغة، والدلالة مربوطة بالواقع، أما اللغة فصوت مربوط بفضاء العقل والروح منذ أول آآآآه عبّر بها الإنسان عن ألمه على هذه الأرض.

 

السعودية اللغة العربية مركز الدراسات والبحوث اللغة الفرنسية ذكورية

مقالات ذات علاقة

مشعل السديري أصدق من أي قصيدة هجائية!

أستاذي ما سبب ما نحن فيه من البلاء؟!

أحمد عبد الرحمن العرفج المعنى المصنوع لكلمة قرطوع!

فهل منكم رجلٌ رشيد يقرطعنا بمعانٍ جديدة أخرى؟!.

خالد السليمان نادي «الضاد» !

وأرجو أن تتضمن أدوات المنصة التفاعلية لنادي ضادنا الافتراضية تطبيقاً ذكياً احترافياً يصحح الأخطاء النحوية واللغوية