قرارات ملكية.. نحو دولة "المواطن"

السعودية قبائل الطائفية القرار المملكة أيديولوجيا

من المظاهر التي تبدد الوقت والجهد الفكري والوطني في الواقع السعودي بعض الأوهام التي تحتاج إلى تمحيص، فمثلاً يحدثك أحدهم بما يوحي بالتهديد لغير ما سبب، بأن هذه البلاد قامت على كلمة التوحيد كدلالة توحي بالإرغام والإكراه، ثم يختم كلامه بمسح لحيته بيده موحياً لك بشكل غير مباشر أن تحت هذه اليد واللحية سلطة الإرغام والإكراه، بينما الذي نراه في زمننا الحالي أن هذه الدولة قامت على بيعة لرجل امتلك الإرادة واللحظة التاريخية لجمع هذا الشتات تحت كيان واحد يسمى المملكة العربية السعودية وفق التعددات المذهبية والتنوعات العرقية للجزيرة العربية، ولهذا نجدهم مسلمين على اختلاف مذاهبهم، تجمعهم قبلة واحدة لصلواتهم الخمس، على هذا كانت البيعة لشافعية ومالكية وحنبلية وإسماعيلية واثني عشرية من نجران حتى القريات ومن جدة حتى القطيف، ومن يتأمل الجيش السعودي في حرب تحرير الكويت يجد الكل من كل هؤلاء كان موجوداً، لكنه العطش الدائم لصناعة الصراع الطائفي أو الأيديولوجي، وصولاً إلى المكر بعقول أطفالنا ليخجلوا من رفع أصواتهم بالسلام الملكي مع إذاعة الصباح.

لا أذكر التاريخ بالتحديد، أما المكان: فقاعة نادي أبها الأدبي، عنوان المحاضرة عن مفهوم المواطنة حقوق وواجبات، ضيوف المحاضرة: محمد زايد الألمعي وآخر لا أذكره، الضيوف من جميع التوجهات، سبب تذكري لهذه المحاضرة، أنه في تلك الفترة وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بات من الضرورة الوطنية التأكيد على مفهوم يتناسب والمعطيات السياسية على واقع الوطن العربي، فكان مفهوم الوطنية قد طرح بديلاً عن المفاهيم الأممية التي تريد ارتداء ثوب الإسلام، لتكون الوطنية مفهوماً جديداً يتناسب والدولة الحديثة الخاص بإقليم يسمى المملكة العربية السعودية كدولة عضو في هيئة الأمم المتحدة، بدلاً من أوهام الخلافة الإسلامية التي اكتشفنا في وقت متأخر إن هي إلا خلافة المرشد الإخواني وولايته حتى على مرسي المسكين.

تخيلوا أن هذه المحاضرة والتي حملت هذا العنوان عن المواطنة، لم نسمع فيها أي شيء عن هذه القضية، فقد ضيع شريك محمد زايد الألمعي الوقت في استعراض خطر الحداثة والتغريب، لم نسمع منه كلمة واحدة عن مفهوم المواطنة والدولة الحديثة، وقد استنكرت آنذاك على محمد زايد تنازله بالوقت لهذا الشريك، ثم بقي لمحمد الألمعي أقل من عشر دقائق ليطرح فيها رؤيته عن هذه المحاضرة التي حضرناها من أجل أن نروي عطشنا لهذه الكلمة (مواطن) فتبسم محمد زايد الألمعي في الوقت القصير المتبقي له، وقال: أشكر صديقي في هذه المحاضرة على تعريف الحضور بإشكالاته وخصوماته مع الحداثة نيابة عن شيخه، ولكني أعتقد أن الحضور جاؤوا لأجل العنوان الذي تحمله اللوحة التي خلفنا عن المواطن ومفهوم المواطنة، وقد تمنيت أن أسمع منك إضافة إلى ما عندي من طرح، فإذا بك تريد صرف المحاضرة لقضايا هامشية تجاوزها الزمن وكان هو الحكم والفيصل فيها. انتهى.

يحدثك آخر عن تقسيمات المجتمع السعودي بين إسلاميين وليبراليين، وأن المجتمع السعودي في عموم شريحته وسطي، يكره التزمت ولا يتبع أي من التيارين، فتحاول أن تترجم هذا التحليل إلى شيء واقعي وملموس، فتقفز إلى سطح منزلك وتتأمل أسطح المنازل، لترى الوسطية التي يعيشها السعوديون، فتجد كل المنازل المحيطة بك تضع أطباقاً فضائية لعربسات ونايلسات، والناس تتابع بحماس (أراب آيدول) وتصوت بحماس أكثر (لشاعر المليون).. إنهم مواطنون سعوديون يحتفلون بالحياة، ويبحثون عن البهجة ككل شعوب الدنيا وليسوا نشازاً تحت مسمى (الخصوصية) المزعومة، بل هم بشر ممن خلق، يحبون قضاء الصيف سياحة على بلدان الدنيا لمن استطاع ذلك.

القرارات الملكية التي صدرت تدل على احتياج ضروري يمنع عنا أولئك العائدين من سورية، أن ينقلوا لنا هستيريا الموت على أرضنا وفي دمائنا، وبالنسبة للإخوان المسلمين، فإن أي حركة تنموية تقتضي مشروعاً انتخابياً فإن وجود الإخوان كما كانوا في السابق يجعلهم سادة الميدان بشكل يجعل التنمية تدخل في قضايا تعيد لنا إشكالات البرلمان المصري والكويتي وعجز الحكومات عن الحركة، بسبب الاعتراضات المفتعلة والتي تحملت السعودية كثيرا كثيرا من جرائها بلا انتخابات، بدأت بافتعال الضيق من توجهات حكومية، وصولا إلى الضيق من تعيينات بعض الوزراء، وصولا إلى افتعال الضيق من قرارات تنموية، خصوصاً مع التعداد السكاني المقبل، والذي يجعل قضايا الماضي ترفاً لا يقاس عليه مقارنة بتحديات المستقبل.

بعد كل هذه السنوات فهمنا أن عبارة (الإسلام دين ودولة) عبارة ماكرة؛ فالدولة لا تصوم ولا تصلي، الدولة في التعريف هي جهاز حكومي على أرض يحميها شعب تحت راية رمز سياسي، إذاً وبعد هذا الزمن هل ندرك أن العبارة الصحيحة هي (الإسلام دين والمواطنون هم الدولة).

من حقي أن أحزن على وطني وأنا أرى معرض الرياض الدولي للكتاب يستضيف كتب الوطن العربي، ترجمات ومراكز دراسات الخ، وأسأل نفسي لماذا وطني لا يستطيع أن يكون مصدراً لهذه الكتب بدلاً من أن يكون مستهلكاً لها، لماذا لو صرخ أحدنا بكتبه التي بمنزله أن عودي حيث دار نشرك، لكادت كتبه أن تختفي عائدة إلى القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق والرباط وعمان وأبوظبي.

تأخرنا كثيراً، وأظن أن القرارات الملكية إسكات للمزايدات الفارغة التي أجادت طيلة العقود الماضية وضع العصي في العجلة، من تطوير التعليم حتى تطوير القضاء، وصولاً إلى ما يخص حتى المثقفين أنفسهم، فإذا طرح تصويت انتخابي على الأندية الأدبية تحول الانتخاب الثقافي الديموقراطي إلى مغنم سياسي وصراع أيديولوجي لمن لم يكونوا يوماً مشغولين بالفن والفكر إلا من باب التكفير والتفسيق والتبديع، فكيف أصبحوا عرابين للأدب والثقافة، وسادة للفنون الجميلة؟!

عشمي في المواطن السعودي أن يعي ويفهم ضرورات المرحلة التي يمر بها وطنه، لا يوجد عاقل يسعد بما يراه حوله، وإن أكثر ما يؤلم النفس في هذه البلاد العربية، أن يكون أقصى أمنها، ألا يأتيها ما عند جارتها، ولكنها لعبة الأمم، ونحن نحاول تجنب الأعاصير السياسية قدر الإمكان، وعلى المواطن ألا يتوهم في هذه القرارات ما ليس فيها، لكنها قطعاً زفرة أخيرة لصابر طال صبره، وحكيم طال حلمه، تذكروا أيها المواطنون كل قرار ملكي تنموي ضروري بحكم التعداد السكاني، ضروري بشكل لا يمكن المزايدة عليه، وكيف تأتي ثلة مزايدة تنفخ في كير ظنونها وخيباتها فيعترضوا على القرارات التنموية بمحاكمات دينية وعقائدية، لقد مللنا هذه الأسطوانة المشروخة، وقد آن إيقافها، من لديه اعتراض على التنمية الاقتصادية فليطرحه في الصحافة والإعلام بلغة الأرقام الاقتصادية، من لديه اعتراض على التنمية الاجتماعية، فليطرحه في الصحافة والإعلام بلغة علم الاجتماع، من لديه اعتراض على التعليم، فليطرحه في الصحافة والإعلام بلغة تربوية ويأتي معها بالحلول التربوية، من لديه اعتراض على التوجه السياسي فليطرح رؤيته بقوله: لو كان كذا لكان أحسن، أو لربما يجدر التنبيه بكذا، بدلاً من "التنفج" الأعمى بالمزايدة البلهاء، لعين تنظر لهياج العامة، أكثر مما تنظر لصلاحها.

لا نريد محاكمات على الظن، ولا أخذ الناس بالظن، ولا أظن هذا يحصل، ولا أرجوه ولا يليق بنا ولا بعصرنا ولا بزمننا، وإن المرجفين يعلمون أن الحزم في وطننا المشترك وإياهم لن يصل إلى إيذائهم على الظن، لكنها الضرورة ولعل فيهم من الدهاء ما يجعلهم يتوقفون عن المزايدة، ولنجرب نغمة أخرى غير صراع التيارات في مسائل هامشية، لنجرب النقاش الهادئ المتواضع، وبشفافية أعلى من قبل، وبحرية أرقى وأجدى، ما دامت نواياها في خدمة الوطن، لا الركوب على ظهره باسم الدين والخلافة الإسلامية.

 

 

السعودية قبائل الطائفية القرار المملكة أيديولوجيا

مقالات ذات علاقة

يحيى التليدي مبادرة الرياض الفرصة الأخيرة للحوثيين

جاءت المبادرة السعودية الأخيرة التي أعلن عنها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان

مجاهد عبد المتعالي سؤال البداوة وشوفينية المثقف العربي

أخيرا أيها المثقف العربي البائس أفق وتخلص من الهراءنتيجة تعاطي أفيون الشوفينية سيقودك الإدمان دون أن تشعر إلى إنشاءمراكز

احمد الشمراني كريري بريء وبتروس لم يُدن!

هل يُعقل أن كل ما حدث لا يستوجب أي عقوبة أو حتى إنذارا شفهيا؟؟