الوطن نت نشر في الوطن نت الخميس 27 مارس 2014

الفجوة التاريخية في العقل الإسلامي

السعودية الصين اليابان سياسة الإسلام

الإسلام في زمن الحداثة والعولمة قائم بأهله الحريصين على حديث الأعرابي في إقامة الأركان الخمسة لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون، وقد أفلح الأعرابي إن صدق، أكثر من قيامه بالمؤدلجين له عبر إقحامه في طموحاتهم السياسية، فما زادت أتباعهم إلا خبالا، فالإسلام قائم بأهله في أميركا وفرنسا والصين واليابان، ولم يكونوا يوما في حاجة إلى هجرة سياسية ليصوموا ويصلوا، بل كانوا أميركيين مسلمين وفرنسيين وصينيين ويابانيين مسلمين، بل إن كل تراث "حماية البيضة" لم يلزمهم ليكونوا مسلمين، ولم يلزم غيرهم من المسلمين الذين يلجؤون إلى دول الغرب طلبا للرفاه والعدل أو بحثا عن الأمن ضد مستبد مسلم؟!

الشيوخ الدكاترة من وعاظ الزهد الأثرياء! أصبحوا يعرفون هذه المعادلة التي ذكرتها أعلاه أكثر من غيرهم، وإن لم يقولوها بألسنتهم، فقد استيقنتها قلوبهم، فأصبحوا يقضون الصيف في رحلات ترفيهية/ دعوية في قبرص وباريس ولندن واليابان، فما الذي بقي من فقه "دار الحرب ودار الإسلام" الذي تجاوزه العصر بمئات السنين، ومازال يمضغه هؤلاء على رؤوس الأتباع، إما تدليسا، وإما تناقضا عن غفلة.

أوروبا وأميركا والصين واليابان، تفتح أذرعها لمئات الآلاف من المبتعثين ليس من بلدنا فقط بل من بلاد الدنيا كلها، على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وألوانهم، ومازال هناك من يريد أطرك على فقه "الذمي وغير الذمي"، متناسيا أن أولئك الصينيين "الوثنيين" ومثلهم اليابانيين، والأوروبيين والأميركان "النصارى" لو أخذوا بفقهه لهم كقانون للمعاملة بالمثل، لعرف معنى الجوع والفقر والمرض، ولأدرك معنى العودة لركوب الدواب.

إن حدثته عن آثار الحربين العالميتين الأولى والثانية في تطور المفاهيم الإنسانية تجاه معنى الدولة عما قبل مئات السنين، صفعك بجهله إذ يقنعك أنه فهم مفرداتك عن "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية جنيف، ونشأة الأمم المتحدة... إلخ"، وذلك بإعادة محفوظاته عن "المُعَاهِد المستأمن، وغير المعاهد"، تحدثه عن حق تقرير المصير الذي أقرته المعاهدات الدولية، فيرد عليك بأنه فهم مرادك من خلال "جهاد الدفع وجهاد الطلب"، عندها تخبره بوجود تخصص اسمه العلوم السياسية يتحدث عن تطور مفاهيم إدارة الدول عبر العالم، وآخر ما وصلت إليه البشرية في تجارب الحكم عندها، من حكم الفرد وأقليته إلى حكم الشعب وممثليه، من "الأوليغاركية" إلى "الديمقراطية"، وما حواه النظام العالمي الجديد من تغيرات نحو الشركات العابرة للقارات، التي تخترق الحدود والسدود المعتادة في التجارة، وما يستتبعها من التزامات عبر منظمات دولية، فيجيبك بدرس فاقع عن "بيع النسيئة والسفتجة في الفقه الإسلامي"، تحدثه عن وزارة المالية ومؤسسة النقد وسلة العملات العالمية وورق البنكنوت وعلاقة كل ذلك بصندوق النقد الدولي، فيرد عليك برزانة مليئة بالدروشة عن "بيت المال في الإسلام"، ثم يحدثك عن تجربة البنوك الإسلامية، التي لم يعلم حتى اللحظة أنها مجرد واجهة تسويقية لليبرالية الاقتصادية، التي استطاعت أن تتحالف مع شيوخه لتصبح أكثر توحشا من البنوك التي في قعر دار الرأسمالية، ولكنه لطيبته مايزال يغضب منك إذا سميت مكان اقتراضه بالبنك الفلاني، ليرد عليك: هذا مصرف وليس بنك!.

تحدثه عن دار الأوبرا وأثر الفنون على السمو بالذوق الإنساني، فيحدثك متواطئا معك على أهمية الفن، ولكن في حدود "الدُّف وفق ضوابطه الشرعية"، فتضطر أن تدعوه لقراءة تاريخ هذا الكوكب "الأرض" منذ العصر الكمبري، حيث لا يوجد سوى الطحالب والرخويات إلى العصر الجوراسي، حيث نشأت الديناصورات وكل ذلك بالأرقام يعد بمئات الملايين من السنين، ثم تعرض عليه صورا لمتاحف العالم التي تعرض هذه الهياكل لتلك الكائنات المنقرضة، وصولا إلى إنسان النياندرتال، فيتأمل فيها ويرد عليك بهدوء الجاحد لكل هذا، وبيقين يشبه يقين المُحَدِّث بلا فقه، لأنه كما يقول قرأ "الكتب الستة" وفوقها "الكامل في التاريخ لابن الأثير" و"البداية والنهاية لابن كثير" و"تاريخ الطبري"، ولم يجد فيها شيئا من هذه الخزعبلات التي تريد إرباكه بها!.

تسأله عند اليأس منه فما الحل؟ يجيبك بثقة الأطفال: العودة لما كان عليه السلف الصالح، سلف هذه الأمة، فتسأله: أي سلف تقصد؟ هل يريد أن نعود لما كان عليه السلف في حروب مسيلمة وسجاح، أم عند اغتيال عمر، أم ما كان عليه السلف في صفين، أم ما كان عليه السلف في الجمل، أم ما كان عليه السلف عند مقتل عثمان، أم في مقتل الحسين رضي الله عنهم أجمعين، أم قصف الحجاج للكعبة بالمنجنيق؟! أم قتل عبدالله بن الزبير، رضي الله عنه، وصلبه، أم في استباحة المدينة المنورة ودماء أهلها لثلاثة أيام؟!، فالتاريخ يجب أن يُقرَأ كاملا عند العقلاء بحلوه ومره، كي يذهب عنه تعصب الأتباع، ومرتزقة الانتقاء ليصنعوا منه عصرا مقدسا في ذاته، فلا يكاد يكون بشريا بقدر ما يريدونه ملائكيا يستدروا به رغائب العامة في يوتوبيا/ مثالية مستحيلة، ليهيجوها حينا ضد هذا، أو يتملقوها حينا بأن أحدهم مثل ذاك، فيعيدوها جذعة في الفرقة والتعصب والطائفية بين سفهاء دين واحد يقتتلون فيما بينهم، تقودهم عمائم ولحى تحصد برد الحرب في مكاسب التفاوض ومناصب السياسة، ويصطلي الأغرار بنارها، فلا يدري القتيل فيمَ قتل وعلام قتل، يقنعونه بصك غفران على عجل للجنة التي صدق الأغبياء أنها بأيديهم.

كل يوم نزداد يقينا بما كتبه علي عبدالرازق عن وهم "الخلافة" في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، وأن تراجعه الذي نسبوه له كرها، لم يغير من الحقيقة شيئا، والتي يؤيدها الواقع في كل لحظة عبر الإخوان ونكستهم "البَرمكيَّة"، أو "داعش والنصرة والقاعدة".. إلخ من فرق تعيش غبار التاريخ ولا تريد الخروج منه، ينقصنا فقط لتكتمل الصورة بعض من العسكريين كالحجاج الثقفي، وزياد بن أبيه، أو أبي العباس السفاح؛ لتكتمل حجامة الزمن، فيخرج قيح التاريخ وصديده من صدور الواهمين بأمجاده إلى الأبد، فيعلموا أن يومهم خير من أمسهم، وغدهم هو أملهم الوحيد بعقولهم لا عقول أسلافهم، وإلا فليمضغوا كبود بعضهم، حتى يرشدوا كما رشد غيرهم من الأمم، والثمن في هذه الحال مزيد من دماء بعضهم، وعلى أرضهم، دينهم واحد، وراياتهم شتى، وليقرع العالم المتحضر نخب كأسه على رؤوس بعضنا تضرب في بعض وهي تنضح بالدم.

السعودية الصين اليابان سياسة الإسلام

مقالات ذات علاقة

مشعل السديري يا ليته يتعمم

بعض الناس حياتهم مثل مماتهم يخرجون منها مثلما دخلوا فيها لا يؤثرون ولا يتأثرون

مجاهد عبد المتعالي إحياء سيد قطب بأدوات حداثية

(معاداة الحداثة، معاداة الدولة الحديثة)، والتي تكاد تكشف لنا ما وراء السطور فيما أشار إليه رضوان السيد في مقاله

مشاري الذايدي هل يجوز إقصاء «الإخوان»؟

كلام الدخيل اعترض عليه فريق وباركه فريق آخر، لكنَّه جدل قديم، استعيد أثناء الربيع العربي من ديسمبر