صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الأربعاء 04 يونيو 2014

عالم عربي مضطرب يبلع من يعمل منفردا

السعودية مصر مصالحة

قرأت لمجتهد مقالا يدعو فيه الرياض إلى الاستقلال بذاتها، وعدم الانشغال بدعم مصر، بل ويدعو إلى إرسال فريق مصالحة إلى ليبيا وفريق مصالحة إلى مصر، وهكذا فريق هنا ومجموعة أركان هناك، بكل بساطة يرى الحل في أن تقوم المملكة بدور الأخ الأكبر عبر حملة علاقات حميمة من المصالحة وتطييب الخواطر (وحب الخشوم)!!، لم أجد في مقاله شيئا يصب في مصلحة الرياض بقدر ما يصب في مصلحة الأطراف الحزبية التي تعاني من الضغط السعودي عبر كماشة مصر.

الرياض تحتاج لمن صَدَقَها لا لمن صدَّقها، والصدق يقتضي الاعتراف بحجم الأدوار الممكنة من غير تضخيم أو تقزيم، ولهذا فنحن نستطيع أداء دور الأخ الأكبر بحجم واقع يقتضي وجود رفيق العروبة المتزن (مصر) معنا، أما من يصفق لأطروحة الأخ الأكبر المنفرد فهو يريد من الرياض دخول الهيجاء بلا رفيق سلاح، وقد بدأ الأقزام يتحالفون فيه على هذا (الأخ الأكبر)، والتفاوض معهم ممكن، حتى ولو تآمروا، وهو مآل طبيعي في عالم السياسة، ولكن التفاوض لا يجب أن يتم إلا وفق أحجامهم الحقيقية، لا وفق أحجام زائفة يمنحها لهم من ينفخ الروح فيهم.

من يدعي أن مصر منهارة كاليمن وليبيا ويساوي بينها، فليس إلا واهما لرغائبه، والزمن لا يعود للوراء لا بالعسكر ولا بالإخوان، فلن يعود حكم حسني ولن يعود حكم مرسي، وآخر الحل (الكي) ليتوقف النزف الحقيقي لمن يريدها ليبيا أخرى، أو حتى سورية أخرى.

إن انهارت مصر وسقطت في حرب أهلية ترقص لها الضباع، فإن خريطة الخليج ستتغير، هذا ما أراه وأشعر به، نعم ستتغير، وميزان القوى لن يسمح حتى بقاعدة (لا تكن لينا فتعصر) بل سيلين الخليج لأن يعصر ويعصر ويعصر، وعليه فلا نريد خرافة الأخ الأكبر المنفرد، التي لا تتناسب ومعطيات الواقع الحالي.

صحيح أن المرحلة القادمة تقتضي من دول الخليج إصلاحات لا يستطيعها سوى من رفعوا لياقتهم السياسية وتركوا عنهم مجاملة الترهل ينخر في جسد حكوماتهم ليعوقهم عن الرؤية، فالميدان لم يعد ميدان دول الاعتدال، ولا محور شر ومحور خير، الميدان أصبح متداخلاً ومتشابكاً، ولعبة الطائفية أحرقت السني والشيعي، وورقة العروبة مخبأة في أرض الكنانة، وفيها مفتاح لكثير من إشكالات الساحة.

قبل الربيع العربي كنا نلاحظ هذا التمدد المخيف للحركات الإسلامية، فهم كالضباع يتكاثرون، حيث يجدون الكيانات الهشة، (ليبيا، سورية، اليمن) وهل دعاة التصالح ـ قبل أوانه ـ في مصر إلا طامعين في صناعة كيان أكثر هشاشة من التصالحات والتوافقات التي نراها داخل لبنان، فهل يريد المتذاكون شيئاً كهذا.

الرياض من مصلحتها التفاوض مع الدول، دون الانشغال في التفاوض مع الأحزاب التي تحمل طموحها ووهمها الأيديولوجي، ولا يمكن القضاء على هذه الأيديولوجية إلا بالبحث والتنقيب عن أيديولوجيا مضادة، فالبحث عن الأيديولوجية المضادة ودعمها هو الحل، ولا يكون الحل في تيارات رجعية تعيد علينا الأخطاء التي نتجرع غصصها منذ عقود.

في اضطرابات حرب الخليج بالتسعينات الميلادية كانت للإسلاميين هَبَّة على بعض إمارات المناطق حماساً وعنتاً، ثم عادوا بعد ذلك لحربهم الباردة طويلة النفس، تتجرع الغصص وتتحين الفرص، وإن هزيمة مصر في حربها ضد الإرهاب، أو التخلي عنها، سيخرج عنتاً أشد، لا يرجوه عاقل لوطنه.

كتب كثير من العقلاء المستقلين (اللاحزبيين) وغير المستقلين (الحزبيين) عن ضرورة الإصلاح على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن من المهم أن نلاحظ اتفاق كل المحللين من شيطانهم الذي يصدقنا حيناً وهو كذوب، إلى صادقنا الذي يمحضنا النصيحة من قلب مستقل لا تحزب فيه، أقول: اتفقوا كل هؤلاء على ضرورة أن تمتلك المملكة العربية السعودية رؤية استراتيجية لمستقبلها، رؤية يرفعها رمز الدولة ليركض بها منسوبو وزارات الدولة بشكل موحد من الخارجية إلى الدفاع والداخلية إلى التعليم إلى العدل إلى الثقافة والإعلام إلى الصحة... إلخ، الناس عطشى للهرولة، لا يريدون هرولة الأرقام أمام أعينهم، بل يريدون هرولة الواقع أمامهم تسوقه قيادتهم بلياقة عالية وقدرة بعيدة، لم يعد يسعنا في عصر العولمة أن نحمل أطروحتين مختلفتين، إحداهما للتسويق الداخلي، والأخرى للتسويق الخارجي، فلم تعد الدول في هذا الزمن سوى بيوت من زجاج يسترها ناسها بنظافة اليد مع بعد النظر، وصدق الفعل مع احترام الحق والعدل، كل ذلك لتهيئة أبنائهم لمخالطة العالم والانتساب إليه، كجزء حضاري فاعل فيه، وإلا فقد تلتبس أو تتلون المفاهيم على الأجيال بين ما يسمعونه داخل أوطانهم ويرونه خارجها، ومن يعجز عن ردم الهوة بين الداخل والخارج بهوية وطنية متزنة تتناغم والواقع العالمي، فسيفقد احترامه لنفسه قبل فقدانه لاحترام أهل بيته له رجالا ونساء، فتضيع طليعة الوطن بين إفراط وتفريط، وكل فريق يرى أنه قد أحسن صنعا.

السعودية مصر مصالحة

مقالات ذات علاقة

مشاري الذايدي حدّثنا خالد البري قال أخبرتنا القاهرة والرياض

مياه البحر الأحمر، التي يتصارع عليها غيلان القوى الدولية والإقليمية، أميركا والغرب وروسيا والصين، دولياً، وإيران وتركيا

حمود أبو طالب مصر بين زمنين

المتحف القومي الجديد للحضارة المصرية، اللقطة لنفس المكان وبنفس زاوية التصوير لكن في زمنين مختلفين

مشعل السديري لن يحملوا الأهرامات على أكتافهم

بدأ التنظيم العمراني في مصر منذ تولي محمد علي حكم مصر في عام 1805. وقد أنشأ مشروعين لنهضة العمران؛ الأول