صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الثلاثاء 13 يناير 2015

العزاء لفرنسا والبقاء للحرية

السعودية داعش إرهاب الإسلام الحرية كاهن

أولاً ودون وصاية على عقلي من كاهن أو راهب أقدم عزائي لأسر ضحايا الصحيفة الفرنسية بمختلف انتماءاتهم العرقية والدينية، وأشكر الرئيس الفرنسي على وعيه وسعة أفقه وتسامحه وتساميه في تبرئة الإسلام من هذا الفعل، حفاظاً على أرواح الأقلية المسلمة هناك من تعصب مرتد يقترفه أرعن، وهذه الروح السامية هي ما ننتظرها من فرنسا التسامح والتعددية عبر فلاسفتها ومفكريها وفنانيها، فرنسا الثورة في سبيل الحرية والعدل والمساواة، فرنسا الأفق الإنساني العريق التي نراها من خلال مسجد باريس الكبير الذي أقامته في قلب عاصمتها إحياء لذكرى المسلمين الذين شاركوا في الحرب العالمية دفاعاً عن قيمها، فكان النصب التذكاري للجندي المسلم شاهداً على سمو فرنسا، ورقيها في سلم الحضارة الإنسانية.

الموقف هنا موقف عزاء نذكر فيه شمائل فرنسا التي تستحقها باقتدار وعظمة، وليس موقف وعظ ومجادلة في غير محلها، كما أقرأ وأسمع لبعضهم فيذكر عثرات الكولونيالية التي تجاوزتها فرنسا باقتدار عبر احتضانها لكثير من أبناء العروبة وأفريقيا عموماً بالدراسة والعمل، بل ومنح المواطنة لمن استحق وأراد.

وبعدها أتوجه للقارئ المسلم فأقول إن حادثة القتل لمنسوبي الصحيفة الفرنسية تطرح تساؤلاً مهماً جداً حول فهم أصحاب الديانات لمعنى المقدس في ديانتهم، فالصحيفة الفرنسية تحوي صفحاتها الكثير من السخرية للمفاهيم والتصورات الشخصية لكل الديانات بما فيها المسيحية، والسؤال المهم الذي يجب طرحه كمحور رئيسي لأي مناقشة في هذا الموضوع هو: لماذا المسلمون فقط يتحسسون بشكل يؤدي إلى القتل وإرهاب الآخرين؟ لماذا لم يقم مهووس مسيحي بتفجير الجريدة؟ لماذا لم تقم فرنسا عبر غالبيتها المسيحية بإغلاق الجريدة ما دامت توزع سخريتها على رموزهم الدينية المتمثلة في يسوع ومريم والصليب وغيرها وغيرها؟ لماذا المسلمون وحدهم عجزوا عن التعاطف مع ضحايا هذه المجزرة البشعة، مع طرحهم لخطاب يشبه خطاب السياسيين بأنهم يستنكرون الحادثة لكنهم لا يقفون مع الضحايا فيما كانوا يفعلون، لماذا استطاع المسيحيون أن يتعاطفوا مع الضحايا وهم يعلمون أن هذه الجريدة تسخر بهم، وأن الضحايا رسموا كثيراً من الرموز المسيحية بشكل ساخر؟ فلماذا يعجز المسلم أن يكون بهذا المستوى من التسامي والتسامح؟!

بعد هذه المقدمة من التساؤلات والأسئلة أتجه لمفهوم المقدس وتطوره لدى الإنسانية ولن أتحدث عن تطوره لدى المسلمين فهذه مشكلة الفقهاء مع أتباعهم فإما أن يطوروا هذا المفهوم ليكون إنسانياً وعالمياً كما يريده الله، أو أن يبقوا حراساً على محفوظاتهم التي اتكأت عليها داعش في تبرير منكراتها، فيكرروها بالتلفيق المداهن قولاً، عجزاً في الفهم عن تحقيق التسامح فعلاً، إلى أن يقيض لهؤلاء السدنة من التراثيين من يقع عليه (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) والأجيال القادمة ستنجب هؤلاء الأفقه قطعاً، وما زلنا ننتظر، وإني أرى إرهاصاتهم في بعض النادرين هنا وهناك.

كلنا يتذكر حادثة تفجير مجسمات بوذا الضخمة في أفغانستان عام2001، وكيف أن البوذيين في ردود أفعالهم لم يقوموا بحرق سفارات الدول العربية والإسلامية في بلدانهم، لكنهم قطعاً تذمروا من هذا الأمر، رغم أن تفجير المجسمات هو اعتداء مباشر وعلني على تراث إنساني يعني كل البشرية فعمره يزيد عن ألفين وستمئة سنة، وقد مر عليه أجدادنا فلم يمسوه بسوء كشاهد على تسامحنا الأصيل، قبل أن يفعل الجهلاء فعلتهم بالاعتداء على تماثيل بوذا كرمز ديني لدى أكثر من ثلاثمئة مليون إنسان في هذا العالم، فكيف لو تحالف العالم علينا وفكر كتفكير هؤلاء الجهلة، أين نظنهم يصلوا؟!

كلنا نرى ما تفعله داعش بالمسيحيين كبشر، والكنائس كبنيان، في العراق وسورية، فكيف لم تقم الحكومات المسيحية في الشرق والغرب، بالنزول لنفس المستوى الوحشي لداعش، والرجوع بالعالم لمئات القرون للوراء فيدمروا المساجد في أوروبا، ويبيعوا نساء الأقلية المسلمة هناك من مواطنيهم؟ لماذا حرية العبادة للمسلمين وغيرهم مكفولة لحد أننا كمسلمين نفاخر بأن كثيراً من المسيحيين في بلاد الغرب يتحولون للإسلام دون أن تتدخل الحكومة في البلد ذي الغالبية المسيحية لمنعهم، أو إغلاق المركز الإسلامي الذي أغراهم بترك الديانة الأصلية لأهل البلد، أو سجن الداعية الإسلامي الذي حاول ذلك؟ بل إن أحمد ديدات كان يتنقل في بلدانهم المفتوحة له ولغيره من الدعاة، ويناظر قساوستهم في وسط كنائسهم وبين أتباعهم النصارى، ليموت بعد عمر طويل على فراشه دون خوف من اغتيال مسيحي متطرف.

كيف نغرق في شبر من الماء إذا حاولنا منافسة العالم في معطياته الإنسانية المتسامحة والمتسامية؟ وسأجيب على هذا السؤال الأخير: لأننا ضعفاء ومع الضعف جهل، فكان ما نراه من سلوك الهمج والبربر الذي يسلكه من اجتمعت عليه الأثافي الثلاث للتخلف: الفقر والمرض والجهل، وهو مخرج طبيعي لأعلى نسبة أمية في العالم، مع أقل نسبة قراءة وكتابة في العالم، ما زلت أذكر كلمة أحد الأصدقاء الجزائريين المقيم كأكاديمي في فرنسا، يقول: لا أطلب لوطني العربي إلا أن يمنحه الله حب القراءة في كل شيء وعن أي شيء، وسترى ما ستفعله القراءة وسعة الاطلاع في هذه البلاد المنهكة ببقايا استبداد، وكثير من التخلف.

بقيت مسألة الحساسية الدينية، وفي رأيي أن هناك حساسية تشبه حساسية قوم إبراهيم الخليل عليه السلام عندما كانوا يدافعون عن آلهتهم كذوات عاجزة متمثلة في أصنام يجب حراستها، ولهذا فقد قام إبراهيم عليه السلام بإعطائهم درساً قاسياً في التوحيد والتصور الحقيقي عن الرب المستحق للعبادة إذ قام بأخذ فأس كسر به آلهتهم وقال: اسألوهم إن كانوا ينطقون، ليوصل لهم رسالة: أن الإله الحقيقي لا يمكن الوصول إليه، لا بفأس يكسر ولا بقلم يرسم، وإنما يمكن الوصول بالفؤوس والأقلام لكل الأصنام والتصورات البشرية التي يصوغها الناس عن مقدساتهم، ولهذا فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأقدس ركن في أقدس مكان مشيراً إلى الحجر الأسود: والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكني رأيت رسول الله يقبلك فقبلتك.

أوروبا تتسامح مع الجريدة التي تنشر من قلب فرنسا السخرية بالمسيحية قبل الإسلام، لأنهم أدركوا أن الإنسان أهم عند الله من كل مفاهيمنا وتصوراتنا التي نتقرب بها إليه، كأنما قرأ الأوروبيون ما ورد في ديننا بأن حرمة الدم عند الله أشد من زوال الدنيا، ولحرمة الدم المسلم أعظم عند الله من الكعبة، فعمموها على كل البشر بمختلف دياناتهم، ليسمحوا بكتابنا (القرآن الكريم) فيترجم ويطبع بمطابعهم ويوزع في أرضهم وفيه نقض صريح لعقائدهم، دون أن يفكروا بقتل حامله أو سجنه أو سحله.

ختاماً إن كان الإرهابيون على يقين أعمى بضرورة تعجيل الحساب للناس، بدلاً من يوم القيامة، فإني على يقين أعلى بأن ما يصل الله من فعل الإرهابيين في ضحايا الجريدة الفرنسية ليس إلا الدم والدم فقط لمن خلقهم الله.

ومن بعد الدم بكاء العائلات التي تشبهنا تماماً حتى في لون الدموع، وكما أن أوروبا، كي تنهض من عصورها المظلمة وتتخلص من محاكم التفتيش، رأت أن تنجب من بنيها عشرات كابن رشد وابن سيناء فإني أظن نهضتنا تستلزم التواضع بدلاً من شنشنة العائل المستكبر، لنرى من أبنائنا المئات كديكارت وفولتير وروسو، فهل الضريبة في دمائنا وعلى أرضنا العربية تطاحن أحمق كحرب الثلاثين عاما؟!

 

السعودية داعش إرهاب الإسلام الحرية كاهن

مقالات ذات علاقة

فاتن حمزة بين رمضانين

مازلنانرى البعض يتنافس في الطاعات والصدقات والتقرب إلى الله ما يشعرناأن رمضان ذاك الذي افتقدناه مازال بوجودهم يعيش بيننا

أحمد عبد الرحمن العرفج كشف الغطاء في مزايا الحياء!

من المواضِع التي يُستحسن فيها الخجل بل غضّ البصر والصدّ بالوجه حين تدفع بعض الصدقة لفقير

حماد القشانين متى سيستطيع إعلامنا إظهار صورتنا

هل ما زال إعلامنا غير قادر على جلب قنوات وثائقية أجنبية تختص بتلفزيون الواقع، وترافق مثل هؤلاء النماذج الحقيقية