لغة الخطاب العثماني عندما يتجاوزها الزمن

السعودية مصر الدولة العثمانية الخلافة

لماذا سقطت الدولة العثمانية؟ هناك إجابات متعددة تتكئ جميعها على التفاصيل الصغيرة التي وقعت فيها الدولة العثمانية، وطبعاً هناك إجابات فجة لا تؤخذ في الحسبان السياسي كالزعم بأن سبب سقوطها عائد لتخليها عن دينها، فهل سقطت دولة بني العباس بسبب قلة التدين، ومن قبلها هل سقطت دولة بني أمية لضعفها في رعاية الثوابت؟ فما الذي نقوله إذًا عن خسارة الإمام الحسين كخليفة خامس أمام يزيد، وما سبب تعثر الإمام علي في الإمساك بزمام الخلافة كما يجب؟ ولماذا قتل الفاروق ثاني الخلفاء الراشدين، وكيف انقلب الناس على عثمان؟ وأخيراً هل تركيا الآن دولة كافرة؟!

إذًا لنخرج القراءة الفانتازية الابتسارية الخارجة عن الواقع بعيداً عن التحليل السياسي الجاد لتاريخ الدول، ولنترك الفانتازيا لأصحاب جلسات الوعظ الأيديولوجي الأعمى، لا جلسات الدرس السياسي الرصين.

إذًا لماذا سقطت الدولة العثمانية؟ لأنها ببساطة استنفذت فرص بقائها، وعجزت عن تجديد نفسها، لقد ترهلت من الداخل، ولم يستطع ورثة القانوني أن يكونوا مثله في مستوى الإصلاحات وقوة النفوذ رغم محاولاتهم نفخ الحياة الجديدة داخل الجسد العثماني، لأن هذا الجسد قد أصبح منهكاً بالحرس القديم التقليدي الذي كان بين اثنين إما منتفع ماكر متلون، يضر الإصلاح بمنافعه ومغانمه، فهو يقاوم ويتآمر ضد الإصلاح بدعوى الإصلاح نفسه، أو بين من لا يستطيع الهرولة، ويعاني الكسل والعجز عن مواكبة المرحلة، عبر طرح رؤى تتناسب ومعطيات العصر.. فكانت النظريات والتنظيمات والإصلاحات على الورق أكثر منها على الأرض، ولهذا لم تستطع الدولة العثمانية حتى بعد أفولها أن تحافظ على بعد ثقافي يشبه ما بعد الكولونيالية الفرنسية في فرانكفونيتها، أو الكومنولث عبر تاج صاحبة الجلالة بريطانيا.

تركيا إردوغان هي ابنة المعايير الأوروبية لمفهوم الدولة الحديثة، لكن ببهارات أيديولوجية (إردوغانية) لزوم النكهة العثمانية، وها هي تركيا العلمانية تأتي من جديد وبلغة عصرية، وربطة عنق أنيقة، تريد البحث عن استحقاق عبر الإرث المعنوي (للخلافة) في ذهن الدهماء، لتصنع داخل الوطن العربي عثمانيتها الخاصة الموازية للفرانكفونية الفرنسية أوالكومنولث الإنجليزي التي عاش الوطن العربي عقوداً يحاول التعافي من جذورها الكولونيالية حتى الآن، وها هو العالم العربي عبر الإسلاميين يعود القهقرى كاستتباع وذيلية جديدة، عجزت عن صنع معجزة الإنسان الخاصة بنهضتها دون الاستقواء بعوامل خارجية مساعدة، تحت تبريرات أن الخصم السياسي أيضا يستقوي بالخارج لتركيع شعبه عبر صفقات السلاح والقواعد العسكرية... إلخ.

الملك فاروق في مصر حاول أن يكون حالة عصرية من بقايا الإرث العثماني، التي حاول أسلافه القفز عليها كمحاولات محمد علي النهضوية، ولكنها التقاليد البنيوية للحرملك العثماني التي كبلته فحالت دون أن يرى الواقع الجديد الذي سبق أن حكاه للآباء أحمد عرابي في صرخته الشهيرة للخديوي عام 1881م: لسنا أثاثاً ولا عقاراً نورث لأحد، لتأتي الثورة بعد ذلك عام 1952م فتحقق ما كان عرابي مجرد إرهاصٍ صغيرٍ لميلاده، وحركة التاريخ تقاس بالأجيال والعقود، لا ببضع سنين.

الدولة العثمانية سقطت لأنها لم تعرف معنى العالم الجديد، فكانت تدير سياستها بعقلية حكيمة لكن قديمة، كانت كلغة خطاب رصين خارج نطاق التداول العالمي، ببساطة وباختصار شديد الدولة العثمانية لم تكن تنتمي للعصر، لم تعرف الحد الفاصل بين عالم قديم انقضى وانتهى، وميلاد دولة قطرية جديدة، ولعبة أمم جديدة، ونظام عالمي جديد. وقد فهم كمال أتاتورك كل هذا بحس وطني عال، فأنقذ من تركيا ما يمكن إنقاذه، ليكون المهزوم الذي يفرض على أعدائه شروط المنتصرين.

السعودية مصر الدولة العثمانية الخلافة

مقالات ذات علاقة

مشاري الذايدي حدّثنا خالد البري قال أخبرتنا القاهرة والرياض

مياه البحر الأحمر، التي يتصارع عليها غيلان القوى الدولية والإقليمية، أميركا والغرب وروسيا والصين، دولياً، وإيران وتركيا

حمود أبو طالب مصر بين زمنين

المتحف القومي الجديد للحضارة المصرية، اللقطة لنفس المكان وبنفس زاوية التصوير لكن في زمنين مختلفين

مشعل السديري لن يحملوا الأهرامات على أكتافهم

بدأ التنظيم العمراني في مصر منذ تولي محمد علي حكم مصر في عام 1805. وقد أنشأ مشروعين لنهضة العمران؛ الأول