الوطن نت نشر في الوطن نت الجمعة 31 يوليو 2015

زيف الوسطية بين الطليعة والتطرف

السعودية تاريخ الوسطية

لو تخيلنا قبل ثمانين عاما قيام أحدهم بمعارضة وجود الإذاعة، وتخيلنا في المقابل وفي نفس الزمن مطالبة أحدهم بتعليم البنات. بالنظر إلى الحالة التاريخية، سيخرج علينا في نفس تلك الفترة من يتحذلق بوسطية مزيفة فيصف من يعارض الإذاعة بالمتطرف ويصف من يطالب بتعليم البنات بالمتطرف أيضا، وهنا نتأكد أن هناك فئة لا تملك مشروعا فكريا ولا نظرة إصلاحية تنموية بقدر ما تملك لعبة البهلوان في القفز على الحبال، وذلك لفقرها المعرفي الذي يجعلها تنظر عند قدميها دون رفع النظر لاستشراف المستقبل، مشغولة بتحويل كلالها الفكري إلى موقف تسميه زورا "وسطية".

هذا النوع من دعاة الوسطية الاجتماعية، هل هم موجودون حتى الآن، وبعد ما يزيد عن ثمانين عاما من التنمية والتطور؟

نعم موجودون، وبنفس النغمة تقريبا، ومنهم نفعيون ليس بالمعنى البراغماتي الراقي لجون ديوي بل نفعية الثعلب عبر فقه "إللي تكسب به إلعب به" مع ادعاء رزانة اجتماعية ووقار فارغ متترس بسياسة "ليس في الإمكان أكثر مما كان".

هل يرتطم هؤلاء النفعيون اللزجون بدعواهم في الوسطية؟ نعم يرتطمون دائما بالقرارات السياسية التي تقف في صف التطور والتنمية على جميع الأصعدة، ولكنهم يحتالون من جديد خلال إتقانهم لعبة التوازن في الرقص على الحبال، فلا كانوا مع الطليعة الاجتماعية في مطالباتها التنموية ليرجحوا كفة القرار السياسي الذي يراعي الإيقاع الآمن للحراك الاجتماعي نحو التطور، ولا وقفوا مع الممانعة الطيبة التي تقف بشجاعة ساذجة تحت الشمس.

ما الذي تكسبه الوسطية النفعية؟ تكسب وهم النصر الدائم في كل الحالات، وفق معطيات "ترعى مع الراعي وتعدي مع الذيب" ويمكن تمييز خطابها بأنه نصف موقف، ونصف كلمة، ودائما في تحليلاتها الثقافوية لحال المجتمع تقف مع مطالب التطوير والإصلاح والتنمية ثم تُقَطِّع أوصال المطالب الاجتماعية في كل هذا باللكننة "لكن"، فلا تراها مع مؤيد أو معارض، لكنك تراها مع القرار السياسي دائما، لا ولاء ولا إخلاصا بل استنفاعا واستزلاما، وغالبا عجزا في التكوين النفسي عن اتخاذ موقف.

ما الوسطية المطلوبة إذًا؟ الوسطية المطلوبة هي في أن تكون مطالبك إصلاحية وتنموية تراعي معطيات العالم الحديث بتنوعاته وفق هوية وطنية تراعي التنوع الداخلي للمواطنين جغرافيا وتاريخيا، ومن شاهد أيام الجنادرية يدرك هذا التنوع بين المناطق، وفي داخل كل منطقة فسيفساء أكثر تنوعا، والتنمية الحقيقية تحيل كل ذلك إلى هارموني تناغم فاتن.

استطاعت أوروبا على مستوى الدول أن تتناغم مع بعضها دون ارتطام في البنى الاجتماعية، لتجد الحدود بينها مجرد خط يقسم المنزل إلى نصفين بين دولتين، دون أن يتأثر صاحب المنزل أو يعيش صراع هوية يشتته، كأنما الهوية الوطنية وقد تحولت إلى عقيدة تشبه العقائد المسيحية في عصورها المظلمة، فهل تعجز المناطق في دولة واحدة أن تتناغم مع بعضها ليتحول مهرجان الجنادرية مثلا إلى احتفال سنوي تستضيفه كل منطقة ليجتمع فيه أبناء الوطن من كل المناطق، فيذوب كثير من الجليد الذي بذل مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني جهودا في إذابتها وكسرها، ولكن على مستوى النخب، ولا أعلم شيئا عن تفعيل التوصيات أو حتى إصدارها في كتيب يؤرخ لحقبة زمنية يحتاج إليها الجيل القادم ليعرفوا طموحات آبائهم فيستدركوا ما عجز عنه سابقوهم.

مهرجان عكاظ الشعري تجاوز الشعر ليكون مهرجان ثقافة بالمعنى الشامل، وليصبح علامة وطنية تسمع فيها صوت المشاركين من المحيط إلى الخليج كوطن أم، يحتضن العرب، كل العرب، في السعودية، كأكبر صدر في جزيرة العرب، فلماذا لا نستثمر برامجه ومناشطه ليتم تعميمها ولو بشكل مختصر على جميع المناطق، بشكل يثري العمل الثقافي بدلا من العجز الذي تشكو منه كثير من جمعيات الثقافة والفنون بالمناطق، وفي هذا مندوحة عن انشغالات تعيد إلى الأذهان مناشط الشر التي تلتحف الخير لتمرر أجنداتها الخفية.

ختاما، أيها الوسطي المزيف، احترم عقولنا واترك عنك مهارة الحرباء لتخفي بها جهلك وعجزك الفكري، وسيعذرك المصلحون، أما إن كنت تخفي ضميرا ميتا فلن يضرك مقالي هذا، ولنسمِّ الأشياء بأسمائها، فالمتطرفون الممانعون لأي تنمية وتطوير لا يمكن وضعهم كمقابل موضوعي أمام الطليعة التي تقترح وتبدع في طرق التنمية والتطوير على جميع الأصعدة بما يتناسب ومتغيرات العصر الحديث، والوسطية ليست في وصم الفكر الطليعي بالتطرف ثم الوقوف بين الطليعة والتطرف، كأنما هذا هو الموقف الوسطي، فالطليعة الصادقة في مطالبها مع وطنها سيصدقها المستقبل ولو كذبها بعض الناس اليوم، أما المتطرفون فيكذبهم الزمن دائما ولو صدقهم بعض الدهماء كل يوم، وقد رأينا كيف تحول متطرفو الثمانينات بعد ذروة شبقهم "السياسديني" في التسعينات إلى سادة في حب الدنيا، فهم حتى اليوم لم يحبوا "الحياة"، ولم يعرفوا الفرق بينها وبين "الدنيا"، فمن يعرف الفرق يدرك أن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" لكل الناس على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأديانهم، فنعمرها بالحب والسلام معبئين بكبرياء الورد عند إقبال الربيع، لا وبالا على العالمين بالحرب والدمار وسفك الدماء، والتفنن في صناعة الفتن وحشد الدهماء، فهل عرفنا الفرق بين الطليعة والتطرف؟ إذًا احذروا الوسطي المزيف

السعودية تاريخ الوسطية

مقالات ذات علاقة

حمود أبو طالب مصر بين زمنين

المتحف القومي الجديد للحضارة المصرية، اللقطة لنفس المكان وبنفس زاوية التصوير لكن في زمنين مختلفين

ميسون الدخيل أحيقار حكيم من الشرق الأدنى القديم

لدينا من قصص حِكم وعِبر جاء في الأصل من «أحيقار الحكيم»، بالطبع كانت مكتوبة باللغة الإنجليزية، ومن هنا بدأت رحلتي في الب

خالد السليمان المبايعة على المستقبل !

من هذه الأفلام التي أنتجت مؤخرا جذبني عنوان لفيلم أنتجته مجموعة دلة البركة بعنوان «نبايعكم على المستقبل»