صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الإثنين 09 نوفمبر 2015

مستقبل القبيلة في الدولة الحديثة

السعودية مؤسسة الفكر

إعادة تدوير منسوبي الدولة باتجاه ما قبل الدولة" إحدى إشكاليات المجتمع التي تعيقه عن النهوض على المستوى الفكري باتجاه الدولة الحديثة، فالمجتمعات القبلية المتمثلة في أنشطتها الرعوية والزراعية، لم يتم استدماجها حتى هذه اللحظة وفق إطار تنموي حديث.

فالموظف قبل أربعين عاما هو راعي غنم سابق أو مزارع سابق، أو كليهما معا داخل نظامه العشائري، وفق معطيات قبلية لا تتماس ومعطيات الدولة الحديثة، سوى في الاستنفاع مما تقدمه ويصب في مصلحة العشيرة أو القبيلة.

حاليا يعاد تدوير هذه الأنشطة الحياتية. نرى مخرجات المتقاعدين تقوم بإعادة تدوير نفسها بداخل كل الأشكال القديمة السابقة على وجود الدولة "القبيلة العشيرة"، مع استعادة الأنساق الإنتاجية في الرعي والزراعة وفق معطى غير ربحي في حقيقته، لنجد أن الراتب التقاعدي يستثمر في إعادة شكلانية مزيفة لنظام رعوي وزراعي لا يصنع مردودا اقتصاديا تنمويا للفرد، بقدر ما يعيد له شكلانية فارغة لتبديد الوقت دون أن يقدم إنتاجا، له عوائد منافسة على المستوى الزراعي والرعوي، فالمتقاعد يقوم بالإنفاق على هذه الشكلانيات، لاستعادة الهوية القديمة لمرتكزات الإنتاج الماقبل نفطي، دون أن يحرص على استعادة القدرة الإنتاجية الحقيقية وفق معطيات العصر الحديث.

فالمهم هو استعادة الهوية العشائرية وفق معطياتها الشكلانية القديمة على المستوى الاقتصادي.

قد نرى أيضا استعادة الهوية العشائرية وفق معطياتها البنيوية على مستواها الاجتماعي كأزمة تكافؤ النسب، فهذه القضايا التي تظهر بين الحين والآخر هي استعادة "شبه سلمية" لمظاهر ما قبل الدولة، وفق معارك كلامية تعيد الزخم المعنوي للمكانة الاعتبارية لما ظن كثيرون أنه تم نسيانه مع ثمانين عاما من مفاهيم الدولة الحديثة ومحاولاتها التنموية، لإبراز معايير تقييم اجتماعي تتجاوز فكرة السلالة، أو العشيرة، أو القبيلة، كمفهوم جامد يتكئ على إرث جامد، وقوالب كالقضبان يسجن الفرد نفسه داخلها دون أن يشعر وهو يدندن بها بحثا عن مجد علاه الغبار.

فبدلا من أن يستكمل المتقاعدون مشوارهم في الخبرة العملية بداخل مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بأنواعها المختلفة؛ يستعيدون الشكلانية القديمة في الإنتاج الزراعي والرعوي مع استنزاف راتبهم التقاعدي في هذه الشكلانية دون عوائد اقتصادية حقيقية، متجاهلين ضرورة كسر الحلقة المفقودة ما بين المنتج والمستهلك، والتي يقوم العامل الأجنبي باستثمارها، لتحقيق استثماره الخاص خلالها، ويبقى المتقاعد مجرد هاوٍ يبدد وقته لعله يستعيد إرث الأجداد الزراعي والرعوي عبر الإنفاق دون مردود استثماري يساعد على التوسع في العمل.

وجود النقابات الزراعية، بل وجود النقابات لمختلف المهن الإنتاجية من الإنتاج الزراعي إلى الإنتاج الثقافي ضروري ومهم لنتجاوز إعادة التدوير لأنماط قديمة لم نستطع تحديثها، فالقبيلة أصبحت مرتعا للتكسب المعنوي عبر استدرار الحمية الجاهلية والمواقف المجانية على حساب البسطاء من أبناء القبيلة الباحثين عن الدفء الاجتماعي، في ظل قبيلة أصبحت تستنزفهم عبر المتكسبين بشعارات العادات والتقاليد، بعيدا عن معطيات الحق والخير ذات المردود الحقيقي في تماسك المجتمع.

طبعا، هناك استثناءات قليلة، لكنها لا تظهر في زخم التفاخر الأعمى ونفخ المواقف وافتعالها لمصالح شخصية قصيرة المدى لمن لا خلاق لهم سوى في "أنا هنا"، مبتعدين عن حقيقة أهداف التجمع الإنساني المتكئ على "وتعاونوا على البر والتقوى"، "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" وليس لتنابزوا ويأكل بعضكم لحم بعض، وليس لينتقص بعضكم بعضا وفق معايير "حضري" و"قبلي" و"طرش بحر" و"بلحط" و"فيضي" و"صانع" وغيرها من دعاوى فارغة بامتياز، يستخدمها العاجز في سباق الحضارة والتنمية.

صديقي السعودي، ذو الجذور الأفريقية، ما زلت أفخر بصداقته كإحدى الأسر الاستثنائية الموجودة في مكة المكرمة، فوالده أستاذ جامعي وأسرته بفروعها ذات تعليم عال، حتى على المستوى النسائي الذي هو المحك الحقيقي في التقدم العلمي والرفعة الأسرية.

فحرمان المرأة من حقوقها داخل أي أسرة يعدّ مؤشرا على تخلف ليس له علاقة بأي ترافع رجولي حقيقي.

أقول، صديقي عبدالصمد بن أحمد الكنوي، سافر برفقة بعض أهله ليرى جذوره الممتدة في أقصى أفريقيا السوداء، ليثبت أن النجاح بيده وبيد أهله السعوديين لا بيد قبيلته الأفريقية، وليثبت ولاءه كسعودي نجيب، فهو نموذج للموظف المثالي في عمله وأقف إكبارا له كاستثناء يتجاوز أولئك الضعفاء الذين استسلموا لمعطيات القبيلة، فقبلوا تزمت المتزمتين فيها في تقسيماتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، سوى دعوى الجاهلية التي لم يتجاوزوا نتن جيفتها حتى هذه اللحظة.

إلى أبناء القبائل، متقاعدين أو مقبلين على التقاعد، عودوا إلى قراكم واستعيدوا هويتها القديمة، ولكن وفق معطيات حديثة، لا تنفقوا مدخراتكم في استعادة الهوية بطريقة شكلانية تستنزفكم، بل طالبوا بإنشاء تجمعات مدنية عبر مؤسسات المجتمع المدني بتنوعاتها التي تحتاجون إليها في قراكم وبين قبائلكم، لترعوا مصالحكم ولتكونوا أنتم منسوبوها أمام حكومتكم، فتستكملوا مشواركم في العطاء وفق مخرجات خبرتكم في العمل المؤسسي الممنهج، لتعطوا الدراسات والإحصاءات والمتابعات لهذه المصالح المهمة، فتكونوا بذلك الخط الثاني القادم؛ لجيل مضى كان يطلب إنشاء مدرسة أو فتح طريق.

مؤسسات المجتمع المدني تستوعب حاجاتكم الزراعية، تستوعب حاجاتكم الرعوية، تستوعب حتى تجمعاتكم في بيع العسل أو جني الرطب، تستوعب رعاية حصونكم القديمة كآثار يجب صيانتها والاهتمام بها، تستوعب عجائب وجماليات طبيعتكم الخلابة وغرائبها، من مغارات جبل قارة في الأحساء إلى شاهقات الحبلة في عسير، ومن تراث الأخدود في نجران إلى مدائن صالح وآثار تيماء في الشمال، تستوعب احتياجكم لمؤسسات رعاية لأسر شهداء واجبكم، تستوعب احتياجكم لمؤسسات رعاية لأسر سجناء أبنائكم الذين سقطوا في المخدرات، تستوعب فنونكم الشعبية وفلكلوركم القديم، لتبقى القبيلة حضنا دافئا حقيقيا للجميع بلا تمييز معلن أو مضمر، والانتهاء عن جمع الإتاوات في مزايدات لا تبني لمستقبل بعيد، ولا تؤسس لمنهج عملي ونظامي في الحياة، ليصبح الفرد في خدمة الجميع دون تقحمات الخدمة، التي لا تتجاوز مفاهيم الفزعة عبر "الواسطة في الدوائر الحكومية"، والتي لو حوكمت وفق معايير "نظام الرشوة" لرسب كثيرون بامتياز في هذا، ولكنها توافقات القانون غير المكتوب الذي تحاول به القبيلة أن تمارس الممانعة في تحصيل منافعها، دون الاندماج في المفهوم النظامي، للخروج بترافع قانوني بدلا من الترافع القبلي الذي لا محل له في أرض النظام.

استعيدوا عبر مؤسسات المجتمع المدني هويتكم الحضارية وفق معطيات دولتكم الحديثة، وليس عبر رفع الصوت في البيداء بحثا عن أجمل ناقة، وأجمل تيس.

القبيلة كانت أذكى من أن يتم تجهيلها وإشغالها في احتفالات فارغة، وتجمعات تبحث عن ملء بطنها، كوَهْم جوع لا يريدون الفكاك منه، تقوم القبيلة بدفع تكاليفها من ظهور البسطاء الذين ما زالوا يحنون ظهورهم لسياط الوجاهة الاجتماعية، بحثا عن هذا الدفء الذي يحتاجون إليه كانتماء لم يزدهم إلا احتراقا في أتونه، ما داموا لم يدركوا طريق الرشاد.

 

السعودية مؤسسة الفكر

مقالات ذات علاقة

ريهام زامكة الله يرحم جدي اللي مات ما هو متغدي !

هل المبلغ هذا إلزامي في كل زيارة؟ قال نعم فقلت له ألا يصلكم دعم حكومي ودعم من أهل الخير؟

هاني الظاهري ماذا يفعل الوزير ماجد القصبي ؟!

قبل أشهر تلقيت كغيري من كتاب الرأي والمهتمين بالشأن الإعلامي خطاباً لطيفاً من وزير الإعلام المكلف الدكتور ماجد القصبي

حمود أبو طالب الجبري.. ما الذي يكون قد فعله بالوطن ؟

كمواطن سعودي أشعر بصدمة كبيرة من أخبار الأمس التي تركزت على تقرير صحيفة وول ستريت جورنال