صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الثلاثاء 14 سبتمبر 2010

لا نريد أوهاما وتخاريف تُسوّق على أنها واقعية

السعودية ثقافة ترفيه توحد

إن الإرشاد التوجيهي له عدة طرق وأوجه منها المعالجة الدرامية بحيث تُطرح من خلالها قضية أوموضوع في إطارتصعيد وتحليل درامي شيّق لتصل الرسالة، وهنا يأتي دورالجرأة في مقاربة وطرح المواضيع مثل قضية ذوي الاحتياجات الخاصة، بأن يتم طرحها كموضوع أساسي وليس هامشياً على مستوى العمل الفني، والجرأة الاجتماعية لا تكفي، يجب أن يكون هنالك أيضا عامل قوي يرتكز عليه العمل وهذا يتمثل بالنص، لأنه من أهم مقومات العمل الناجح، نعم نعرف جيدا أنه ليس من مهمة الدراما تقديم الحلول ولكن ندرك تماما أنه يجب ألا تنسى دورها في تسليظ الضوء، وتأثيرها في تغير التوجهات والرؤى، فالدراما هي من أدوات التغيير تترافق مع ذلك مسؤولياتها الاجتماعية الخاصة والعامة، وهنا يتجلى مدى احتياجنا لكتاب يمتلكون مهنية وجرأة يتناولون من خلالها مواضيع تصدم المشاهد كي يقف ويفكر، ولكن يبتعد الكثيرون عن هذا في صالح الوجبات الدرامية سهلة الهضم دسمة الربح، لأن الأعمال التي تنجح جماهيريا عادة ما تكون سهلة التلقي ولا يحتاج المشاهد أن يشغل عقله بالتفكير، ولكن للأسف غالبيتها لا تحمل أي رسالة سوى الترفيه وأحياناً كثيرة التسفيه والتأثير سلبيا على ما تبقى لدينا من أخلاقيات، أما الأعمال الجادة فإنها تحث المشاهد على أن يطرح الأسئلة ويجيب، أي تطالب المشاهد بأن يكون مشاركا فاعلا، تساعده على أن يتخذ قراراً ما بشأن موضوع حيوي ومهم، قد يكون ظاهرا أو مستترا، ولكنه يظل مؤثّرا وهذا التأثير له تبعات إن لم تكن هدامة، بأقل تقدير يمكن أن يُقال عنها إنها تحدث شَرخا في جدار التواصل الاجتماعي والحق الإنساني لأفراد ينتمون إليه... المهم هنا أنه إذا لم يتحرك الفرد، على الأقل سيتفهم، ولا يقف عقبة في وجه كل من أراد ذلك.

وقد لامسنا ذلك في العمل الفني "قيود الروح" للكاتبتين: يارا صبري وريما فليحان، فعندما تكتب المرأة عن المواضيع الاجتماعية تستطيع أن تكشف لنا التفاصيل الحياتية لطقوس ونفسيات وأحداث بعمق يلامس أصغر الأمور بأهمية أكبرها، وتعد هذه نقظة إيجابية جدا في صالح أي عمل يتناول هذه النوعية من المواضيع، فنجد أن التركيز يتمحور من خلال غياب الحدث المحرك والتركيز على تطور الشخصيات، نعم الدراما هي كتابة الأفعال؛ هي الصراع، ولكن هذا الصراع قد يتجسد أيضا في العبور إلى ما خلف دراما الحدث للتركيزعلى تطور الحالة أو الشخصية، بحيث ندرك أن الأحاسيس البشرية هي واحدة من حزن وفرح وغضب وكره ومحبة، ولكن بدرجات تعتمد على ردات فعل متأثرة بخلفية المتلقي والمرسل من خبرات وثقافة وقدرات نفسية وعقلية، المهم هنا أنه تم تناول ذلك من خلال معاناة أم لأحد الشخصيات من ذوي الاحتياجات الخاصة، في إطار تسلط واسبتداد أب لا يريد أن يتقبله.

ولقد كرس أيضا مسلسل "وراء الشمس" للكاتب محمد العاص، هذه القضية الهامة، وقدّم بكل جرأة المعاناة المختفية خلف جدران المنازل، في ظلال القلوب، وفي قاع ذاكرة مجتمع يستمر في دفعها لتبقى مكانها، والمسلسل مكون من عدة محاور: محور شخصية بدر المصابة بطيف التوحد، من عائلة فقيرة وأم مريضة وأخت منكوبة بخطأ ارتكبته وتابت ولا يريد المجتمع أن يسامح ويتقبلها، وصاحب عمل يستغل إصابة بدر "بطيف التوحد" بحيث يوهم الجميع بأنه يتصدق عليه، بتركه يعمل لديه كخادم ينظف المحل، بينما هو من يقوم بإصلاح الساعات للزبائن، موهبة من رب العالمين، موجودة لدى الكثيرين مثله ولكن عندنا موؤدة تحت أتربة الرفض وعدم التقبل بأن هذه الشريحة بالفعل قادرة على العطاء قادرة على الإبداع، وهناك أيضا محور شخصية علاء المصابة "بمتلازمة داون"، والتي قام بأدائها الشاب علاء الدين الزيبق شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأبدع فيها، رسالة واضحة عن امكانيات هذه الشريحة وطموحاتهم وقدراتهم غيرالمستغلة، إن الاستعانة بذوي الاحتياجات الخاصة تقول لنا انتبهوا إن هذه الشريحة ليست بحاجة إلى الشفقة بل إلى أن ندرك أنه بإبمكانهم أن يكون بينهم الكثير من المبدعين والقادرين على الإنتاج إن لم يكن الاندماج الصحي والفعال في المجتمع الحاضن، أما المحور الأساسي فهو الذي جسده عبادة، الأب الذي أخبره الأطباء أن طفله القادم مصاب "بمتلازمة دوان"، نتابع معه معاناته النفسية ورفضه لهذا المخلوق قبل أن يخرج للحياة، وشجاعة وإيمان زوجته منى بمواجهته من خلال حبها للجنين قبل أن يولد والدفاع عنه حتى لو كلفها حياتها، إنه تجسيد لقضية ما قبل الميلاد بالنسبة للأسر التي تكتشف مبكرا أن من سيأتي لديه هذا المرض، والمعاناة والاختيارات والصدام أحيانا بين الوالدين من ناحية إنهاء الحمل، وتضارب المشاعر من الخوف والرفض والحسرة والندم والتعقيدات التي تنتج من كل ذلك، فعندما يبلغ الفرد بأن من سيأتي سيكون معاقا هو بلا شك وضع صعب ، ولو أنهم عرفوا في المراحل الأولى من الحمل وقبل نفخ الروح، لا بأس في إنزاله ولكن في مرحلة متقدمة هذا مرفوض ليس فقط من الناحية الدينية أو الإنسانية ولكنه مرفوض أيضا لما يشكله من خطورة على حياة الأم.

لقد كان سبب نجاح هذه النوعية من المسلسلات على الرغم من جدية مواضيعها، ليس فقط لجرأتها بل أيضا لقربها الشديد من الواقعية، نقلت أوجاعها وهمومها لهذا استطاعت أن تسلم الرسالة بكل شفاقية ووضوح، ولقد تم ذلك من خلال تقديم الأمهات والآباء في إطار لصور تحمل في طياتها أبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة، أرواحا مقيدة لا ليس بالإعاقة، بدليل انتصار الكثير عليها بتحويلها إلى دافع للتحدي وبالتالي الإنتاج، إنها قيود يفرضها المجتمع بازدواجيته التي تقول شيئا وتفعل عكسه أشياء، وبما أن الدراما لها تأثير بشكل كبير في تسليط الضوء، تم بنجاح تقديم فكرة أنهم قادرون على العطاء والاندماج ولو جزئيا في المجتمع، والالتفات لما يتعرض له الكثير منهم للاستغلال، والتعرف على الشخصيات السلبية التي تتخذ القرارات المصيرية بمفردها بكل استبداد وتجبر دون التفكير بمشاركة بقية أفراد الأسرة خاصة تلك الحاضنة التي تسمى "الأم" ونحن نعرف ما تعني هذه الكلمة ولا أحتاج أن أوضح هنا لا عن حقها ولا عن مشاعرها، فمن أعطى الحق لأي كان في حرمان روح من الوجود، من حياة كتبها وقدرها رب العالمين! جهل ما زال الكثير منا يعيش في جلبابه حتى يومنا هذا وبعد الكثير من المقالات والتحقيقات الصحفية التي تناولت هذه المواضيع، ولكن نتمنى أن مثل هذه الأعمال الفنية ستساهم في جذب قطب الكثير من أفراد المجتمع للتنبة والتفاعل بإيجابية أكثر ليس فقط مع هذه الشريحة ولكن أيضا مع أهاليهم.

إن عالم أسر ذوي الاحتياجات الخاصة غني جدا ومؤلم جدا ولكن بنفس الوقت فيه الكثير من الفرح والتفاؤل، وهذه النوعية من المواضيع غنية دراميا ولكن للآسف لم تستثمر بالشكل الصحيح عندنا بحيث دائما ما نجد أن المعاق يقدم على أنه شخصية ثانوثة أدرجت في العمل كي تثير الشفقة أو الضحك أو لتوضيح مدى شر إحدى الشخصيات الشريرة في العمل، فليت أرباب المجال الدرامي في دول الخليج يتعلمون ويباشرون في التنفيذ.

 

السعودية ثقافة ترفيه توحد

مقالات ذات علاقة

مشاري الذايدي هل يجوز إقصاء «الإخوان»؟

كلام الدخيل اعترض عليه فريق وباركه فريق آخر، لكنَّه جدل قديم، استعيد أثناء الربيع العربي من ديسمبر

خالد السليمان إعلانات تشوه السعودي !

ربما أفهم جهل منتجي الأفلام الأمريكية أو غباء منتجي الأفلام المصرية في تقديم الهيئة الحقيقية للإنسان العربي الخليجي

مشاري الذايدي ذكريات «القبس» القذّافية

تملك الصحف والمؤسسات الإعلامية العربية، والكويتية منها، أرشيفاً ثريّاً، لم يتجمّد، ولن يتجمّد