صحيفة الوطن السعودية نشر في صحيفة الوطن السعودية الثلاثاء 06 يوليو 2010

غصة في الحلق وحرقة في القلب

السعودية تعليم كتاب مكتبة

الكتاب كان وما يزال توأم روحي وغذاء فكري، لا أتصور نهاية أي يوم من حياتي دون أن تخاطب أصابع يديّ صفحاته، لا تستغربوا فأنا أتحدث للكتب قبل أن أختارها، فحين كنت طالبة كنت أدخل المكتبة وكأني أعبر إلى تاريخ مضى، أقف أمام رف الكتب وأمرّر يديّ على الكتب وكأنني أنتظر منها أن تنطق وتحدثني، أنا هنا التاريخ، أنا هنا الأدب، أنا هنا المعرفة، تابعي لم تصلي إليّ بعد، اقتربي وافتحي غلافي سأغمرك بعطر الكلم وسحر الحروف، لقد رقّت صفحاتي وكادت تختفي، أعيدي لي مجدي، أعيدي لي يومي، لأهبك مجد المعرفة وأُثري يومك بالفكر والعلم.. إنّ للكتب طعما وعبيرا خاصا يتسلل إلى روحك عبر كل مسام من يديك، تشعر وكأن طاقات إيجابية قد بدأت تتسلل إليك وأنت لم تبدأ بالقراءة بعد، مشاعر وأحاسيس لن يعرف حلاوتها في الحلق ولا لذتها في الروح إلا من عشق القراءة وأدمنها.

تخيلوا معي الآن صدمتي حين دخلت يوما إحدى المكتبات في أحد القصور، كتب جلّدت بغلاف خمري واحد مزيّن بأحرف ذهبية تعكس الضوء القادم من النافذة في الوسط، اقتربت بسعادة لا توصف من أحد الأرفف ومررت بأصابعي عليها منتظرة منها أن تردّ التحية وتحدثني.. ولكن ما عاد إليّ هو الصمت! كرّرت المحاولة وهذه المرة خرج صوتي يهمس لها: ما بك؟ حدّثيني..أخبريني أيا منك أختار لرحلة اليوم؟ لا شيء مجرد صمت ولكنه كان يحمل ألما! فمددت يديّ وأخرجت أقربها إليّ ثم فتحت الصفحة الأولى والصورة التي واجهتني كانت الإجابة، لقد نخر السوس الصفحات لدرجة أنني خشيت أن تتفتت بين يديّ قبل أن أعيدها إلى مكانها! أسرعت كمن مسّها تيار كهربائي أخرج الكتاب تلو الآخر لأتفحصه، وكنت أجد نفس الداء في كل منها.. فهويت على أول مقعد باكية.. يا خسارة! فكر وتاريخ وأدب بين يديْ من يستخدمه للزينة فقط، وليتهم اهتموا به بل تركوه لأعداء تنهش بلا رحمة!

لماذا أضحت كتبنا على أرفف مَن لا يقدّر، مَن لا يفهم؟! لو أنه كانت لدينا مكتبات عامة مثل الموجودة في معظم الأماكن في العالم، والتي غالبا ما تعتبر جزءا أساسيا من وجود أي مجتمع يسعى للنمو والتطور، لما كان هذا حالنا، لو أن هؤلاء الأغنياء ساهموا في إنشاء مكتبات في المدن والقرى، بدلا من تخزينها في قصورهم وبدلا من أن تكون غذاء للسوس لتكون كنوزا تفتح بين أيدي العامة من أصغرهم إلى أكبرهم، ولكن "لو" مهما صرخنا بها وجدنا أنها لا تُفَعّل! لماذا نجد أن حلم رجل مثل كارنجي، والذي كان من أغنى أغنياء أمريكا، هو تأسيس المدارس والجامعات والمكتبات العامة، بحيث أسس 1700 مكتبة عامة خلال سبعة عشر عاما فقط، بينما يتسابقون عندنا في بناء الأبراج والأسواق والقصور، لا بل يبحثون في الخارج عن أجملها وأغلاها، ثم حين تحدثهم عن تأسيس المكتبات تجد أذنا من طين وأذنا من عجين! ماذا تفعل لنا تلك الصروح إن كانت فخمة من الخارج فارغة من الداخل، نعم فارغة بما أنها لا تغذي الأساس وهو العقل والفكر لمجتمع بأمس الحاجة لمن يأخذ بيده في طريق العلم الذي تاه منه في طريق البحث عن لقمة العيش وزخم ضغوط الحياة!

إن المكتبات العامة أوسمة على صدر أي مجتمع متحضر، وتسمى في الغرب "الجامعات الشعبية" لأنها متاحة للجميع، بغض النظر عن العمر، مستوى المهارة، أو المستوى الاجتماعي، وفي أوقات تكون فيها المكتبات الأكاديمية والمدرسية مغلقة أمام الطلبة والتلاميذ، لا يسعني هنا أن أتحدث عن الخدمات التي تقدمها هكذا مكتبات فهي كثيرة ومتنوعة مثل الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والترفيهية والتربوية، ولكن الأهم هنا أنها متواجدة لدى الكثير من المجتمعات حولنا بينما نحن نفتقر إلى واحدة مجرد واحدة تفي باحتياجات الجميع في كل حي.

لم لا تكون لدينا مكتبات بحجم مكتبة الكونجرس أو مكتبة الإسكندرية أو مكتبة الأسد في دمشق، بكل ما تقدمه هذه المكتبات من خدمات مثل إتاحة المجال أمام العامة من أجل التعرف على العلماء والأدباء والمثقفين والمفكرين المحليين ومن الخارج والتحاور معهم في مؤلفاتهم وكتبهم، حضور مجاني دون أي مقابل مادي، وبث الدعوة على جميع وسائل الإعلام المتاحة كي تصل الرسالة إلى أكبر عدد من المواطنين والمقيمين، لم لا تكون لدينا مكتبات تقدم خدمات مساعدة للطلبة والطالبات من مجموعات دراسية إلى التدريب على البحث على الشبكة العنكبوتية من أجل تكملة مشاريعهم وأبحاثهم الأكاديمية؟ لم لا نساعد الأمهات من خلال حلقات القراءة اليومية للأطفال وتوفير أكبر عدد ممكن من الخيارات من الكتب التي تشد الأطفال للتعلق بمهارة القراءة؟ لم لا يكون لبناتنا وأبنائنا من الطلبة والتلاميذ مكان يستخدمون فيه الإنترنت دون مقابل وتحت إشراف مختصين في هذا المجال؟ لم لا يكون لدينا مكان يلجأ إليه أي مواطن يبحث عن أية معلومة سواء كانت مهارية أو اجتماعية أو حتى ليتعرف أكثر على مجال عمل أو هواية وإن كان ذلك في مجال النجارة، السباكة أو حتى أفضل طرق التسويق للمنتجات في المنازل؟ أنا لا أقول أن تكون كلها من أموال التبرعات ولا من الأموال العامة ولكن لم لا يكون التعاون قائما بين الاثنين معا؟ ألا يستحق مجتمعنا مثل هذه الصروح، أم أننا أدمنّا إنشاء المطاعم والأسواق، فلم نعد نعرف أن نتذوق طعم أي شيء آخر..حتى الكتاب!

لا تقولوا لي إنه لدينا مكتبات عامة، فما يوجد لدينا مقارنة بما يجب أن يكون ليس سوى غصة في الحلق وحرقة في القلب!

 

السعودية تعليم كتاب مكتبة

مقالات ذات علاقة

مجاهد عبد المتعالي من التعليم إلى التجارة هيمنة الإخوان المسلمين

الإخوان المسلمون حاولوا استلاب بعض الدول العربية عن طريق (السيطرة على التعليم)، وها هم يحاولون السيطرة والدخول

احمد الشمراني العرضيات حلم يتجدد

أقول ليس صعباً كون تلك الديار قابلة لأن تجاور القمر متى ما تحرر أهلها من إرث هو من ساهم في وضع المحافظة

أحمد عبد الرحمن العرفج التدفق في مجموعة التألق

إن مجموعة العصف الذهني المبدعة هي التي تضم أشخاصاً يمتازون بصفات أشار إليها الأستاذ الكبير جون ماكسويل