ويل لأمّة نسيت ...أنها أمّة

السعودية مجتمع كراهية نسب

يقول المؤرخ الدكتور أحمد داود: "إن الاعتداد بالنسب، هو عند العربي اعتداد بالمفاخر التي كانت بمثابة الأوسمة لأولئك الأجداد الذي يجعل منهم قدوة للأجيال المقبلة، وبالتالي فإن الاعتداد بالنسب لم يكن يعني الانتماء إلى فلان من الناس، بل إلى ما يمثّله هذا "الفلان" من مناقب جديرة بأن يعتزّ بها الناس جميعاً....إنه (أي العربيّ) لم يكن سلفيا في توجّهه، بل كان مستقبليّا، فعلى أساس المناقب السالفة المختارة والممتازة يتمّ تعمير الأجيال المقبلة، وإلا فقد النسب عند العرب مضمونه ومغزاه، وعليه فإن على الأبناء أن يعتزوا بمناقب الأجداد وأن يبنوا عليها عمارات قيمهم القادمة، لا أن يركنوا إلى التفاخر بها فحسب، والشعر العربي، وكتب علم النفس والاجتماع والتاريخ حافلة بالشواهد: "لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوماً على الأحساب نتكل... نبني كما كانت أوائلنا تبني، ونفعل مثلما فعلوا"، والعربي الذي يحفظ شجرة النسب الطويلة لم يكن يفخر بالانتماء فيها إلا إلى المتميزين بمناقبيتهم.. ومن هنا حرص العربي على التمسك بقيمه الرفيعة، فهو ما يكاد يذكر نسبته إلى أحد الأجداد حتى يسارع إلى التغني بشمائل ومناقب ذلك الجد الذي لا تنطفئ ناره، ويقصده الشّريد والطّريد والمظلوم، فاعتداد الناس إذن بأنسابهم ليس يحمل في ذاته أية معان سلبية كأن يميل به إلى التعصّب العرقيّ، بل ظل، وعلى مدى التاريخ، يحمل مضمونا واحدا هو الاعتداد بمناقبيّة الأجداد".

ماذا جرى؟ كيف نسينا المعنى الأصلي للأنساب وسلخنا عنه كل القيم؟! واليوم نجد من يتفاخر بنسبه، بقائمة جوفاء من الأسماء، وآخر بعرقه وكأن دماءه زرقاء ودماء بقية البشر حمراء، وغيرهم يتفاخر بقريته أوبمدينته أوببلده، كلّ يتعالى على التالي، وما التالي إلا جزء منه، من جسده من دمه من أرضه من تاريخه، تركنا الغريب يلعب لعبته ويفرّق، وللأسف يفرّق أصواتنا أقلامنا ويا حسرتاه .. أبناءنا! وكيف نسينا أن عليّ .. حسين .. محمد .. جميلة وفؤاد، خليل.. زياد.. جرجس.. ماريا وميلاد، أطفال أمة واحدة؟! أطفال من رحم أرض واحدة، يدرسون في فصول واحدة، يلهون تحت نفس الشمس ونفس المطر! وحين ينزفون، ينزفون دماء واحدة! كيف نفرّق بعد ذلك بين الإخوة والأشقاء؟ كيف نعلّم البراءة البغض والكراهية؟! كيف نشرح لهم أن الله محبة، وأن الدين حياة نثريها بالعمل والتعاون والإخاء؟! ماذا ننتظر ممن يسمعوننا نقول شيئا ونفعل عكسه أشياء؟! فليرحمنا رب السماء على ما نجنيه عليهم وبهم، بكل عنجهيّة وغباء!

وكيف نقف اليوم موقف المشاهد بينما أبناء أمّتنا يتناحرون حينا بالخطب، وأحيانا بالسلاح، وبأوامر من؟ بأوامر من يعتبرون أنفسهم يتكلمون باسم رب العباد، بينما هم يحرَّكون من قبل أياد خفية، سواء بقصد أو لما خفي من النيّة، يعملون على خدمة من تعتبر نفسها السيدة والقاضي والجلاد على المعمورة وعلى البريّة، يتركونها تسمح بقتل أطفالنا تجويعا أو ذبحا أو تنكيلا، تحت غطاء الحصار أو العقاب، أو الدفاع عن النفس، لتخرج إلينا بعدها بقناعها المزيّف لتصافح بكل براءة والدماء ما زالت ساخنة تزيّن يديها، ولكن بما أنها ليست إلا دماء عربية، نمدّ أيادينا ونصافح! وكيف لا؟! فنحن من عُرِف عنا رد التحية! وأليست هذه قمة التحضر قمة المدنية؟! ثم كيف لا نشكر من يقدم رحمة كهذه، وتعاونا كهذا وصفاء نية؟! كيف لا نشكر من يقطع الساعد ثم يستدير ويقدم القفاز هدية؟! وطبعا لا ننسى أن نجتمع بعدها لنتشاور ما إذا كان هذا القفاز محرما أو يحتاج فتوى لننشغل بها ونصبح فرجة للبقية!

يا أمتي يا من نسيت أنكِ عربية، متى تتوقف الأصوات عن مهاجمة بعضنا البعض؟ أين المحبة، أين الرحمة والغفران؟ أما كفاك زيفا، أما كفاك تجبرا وتكبرا وأنانية؟! متى سنتذكر أن غيرنا خلق أيضا إنسانا؟ ذنوب الغير نعرّيها ننشرها ونزأر، وعند محاسبة النفس نجبن، والضمائر تتحجّر! لم نخلق لنكون ضعفاء، فما الحياة إلا معارك من جهاد النفس إلى مواجهة المحن، وإن قُرعت الأبواب، على نفس النقر لنسمعهم النغم، لنقف صفّا واحدا أمام العواصف العاتية، ولنسلّح أبناءنا بالعلم بالفكر بالثقافة بالمنطق بالحرف والقلم، لنربِّهم على المحبة والتلاقي والتآخي لا التناحر والتشفّي، ولنسر بهم إلى مقدمة الأمم، وليهدّد حينها من يريد أن يهدّد بالمحارق، لا يهمّ، فهم لم يعرفوا يوما كيف يقرؤون تاريخنا القريب منه والسابق، ولنحدِّث أبناءنا عن الأمس عن اليوم عن كل غدٍ مشرق بإذن الخالق، فنحن على الرغم من كل ما فعلوه بنا، باقون ولم نفارق!

يقول جبران: ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين، ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر، وأضيف هنا: ويل لأمة أطفالها يحملون السلاح قبل القلم، يتعلّمون التبعية لا الحكمة وتقدير النعم، ويل لأمة تتفاخر بالأنساب لا بمكارم الأخلاق، ويل لأمة تتفاخر بالأعراق وتتناحر وهي في قلب المحن، ويل لأمة نسيت أنها...أمة!

السعودية مجتمع كراهية نسب

مقالات ذات علاقة

مشعل السديري مقتطفات السبت

المواطن الفاضي و(جايب العيد) فعلاً: فهو مواطن خليجي قرأت عنه في إحدى الصحف، أنه تقدم بشكوى لمخفر الشرطة ضد زوجته

خالد السليمان تدوير الخير !

البعض لديه أعظم ثروة في الوجود يمكن أن يكسبها الإنسان وهي القناعة ومتى توفرت القناعة جادت النفس بكل ما هو فائض عن حاجتها

مشعل السديري بالتبات والنبات

إذا اقتصرنا بالحديث على الجانب الإنساني، فليس هناك أتعس من زوجة لا تنجب... إنها أكثر تعاسة بمراحل من زوجها