من خذل "الشيخ"؟

السعودية السعودية إبداع الموسيقي

ذلك وقت انتهى، لن يعود. تلك فرص حقيقية مضت دون أن تخلف سوى انشراحات وامضة في القلب والروح، تتخلق متجددة كلما أضاء سهيل.

يناير 1990 غداة ارتكاب صدام واحدة من حماقات الديكتاتور، بعض أهلنا في الشرقية يمضون من هناك إلى كل الجهات، ربما بحثا عن جحيم أقل. اختار مسقط رأسه، فجاء ومر على الديار المقدسة، ومراتع الطفولة حيث اللثغات الأولى في المسفلة. لم يبك ما اندثر، أو ينتحب على ماضٍ تولى، فقط كان يسأل، يستذكر ويسترجع ما ترك من حنين معتق فاض لحظتها.

كان واحدا من قلائل معنيين بالإنسان قبل المكان، ما حال دون أن يتوجع قلبه كثيرا وهو لم ير مكة التي تركها قبل أربعين حولا، صار له قلب من بلور، يرجف كلما رن وتر بين أصابعه.

كنا قبلها بسنتين تقريبا، نتناقل شريطه الباذخ ، على نحو ما كنا نتناقل (كاسيتات) الشيخ إمام ومظفر النواب، لكن (كاسيته) كان الأقرب إلى الوجدان، لأنه نابع منا، وبقولنا، يقول حلما بأفق موسيقي جديد ينفتح في فضائنا التقليدي والسائد المجتر والمكرور.

فأجأ الوسط بموسقته لمقاطع من الشعر الحديث في السعودية، تتقدمها رائعة محمد العلي (لا ماء في الماء) ومقاطع أكثر لعلي الدميني، وعبدالله الصيخان وصالح الصالح، وبموازاة ذلك شعر بالمحكية التي عبرت عن تنوع الوطن الجميل، جامعة بين اللسان الحجازي والشرقاوي (ضربني يابوي، جاري واجاري) صابا صبوات الاشتياق وعذابات المحبين في قوالب موسيقية كان يمكن لها لو ظهرت أن تشكل منعطفا تاريخيا هائلا وعلامة فارقة في مسيرة الموسيقى السعودية، تنتشلها مما وصلت إليه من انغلاقات وجمود.

لكن المفاجأة كانت أن أكثرية الساحة الثقافية استخفت بالحلم، ولم تلق له بالا كبيرا. كما تناهى إليّ، أو كأن الساحة حينها كانت مثخنة بضربات وعداوات المتشددين والانتهازيين والمتسلقين والعابرين الذين مضوا، وبقي حلم (شاكر الشيخ) طازجا يقظا في الوجدان، وحتما سيجيء وقت يخرج للناس، ولنا في تجربة الشيخ إمام التي استعادها المصريون أخيرا، مفتقة نخبويتها، أنصع مثال.

دائما في الإبداع، في آخر الأمر ثمة ما يأتي لترتيب اختلال العالم، وإعادة توازناته بعد أن يعبث به الأوغاد ردحا من الوقت.

أراد شاكر أن يمتحن الذائقة، فضلّ امتحانه أو سبق التوقيت، ولكنه مع ذلك ظل يشع ابتساما وحلما فارطا، يغرق المساءات بعزفه وصوته (لكن القادم لنا). ظلت ترن في فؤادي وعبدالهادي الشهري وأنا نغادر دارته في الشرقية بعد أن وضعا كثيرا من النقاط على نوتة موسيقية لم يكتب لها أن ترى النور في لحظة تحول فارقة، لم تكترث بها الساحة حينها ولكنها تبكيه اليوم بحرقة.. فيا للمفارقة!.

السعودية السعودية إبداع الموسيقي

مقالات ذات علاقة

حماد القشانين مسبتلوش فرصة

فكيف يتغير كل شىء من حولنا حتى أجسادنا ولسنا قادرين على استيعاب أن الأشخاص من حولنا يمكن أن يشملهم هذا التغيير؟!

هيلة المشوح النووي الإيراني بين التفاوض والتفجير !

فإن دول المنطقة تشدد على إشراكها في أية مفاوضات تضمن مصالحهاوتجنبها مهددات خطر السلاح النووي الإيراني كونها المتضررالأول

عبدالله المدني سعد إبراهيم أرسل سلامه ولم ينل غايته ومراده

وهكذا غاب عن الساحة الفنية السعودية نجما من نجومها الأوائل ممن برزوا في الزمن الصعب يوم كان الغناء من المحرمات