أخبار الخليج نشر في أخبار الخليج الأحد 02 مايو 2021

إعادة تنظيم الهياكل الوظيفية

البحرين الحقيقة التغيير التقييم العمالة مؤسسات الدولة

في مؤتمر رقمي بعنوان (مستقبل التعليم والتدريب والتنمية البشرية بين النمطية والابتكار) الذي تشرفت بالمشاركة فيه بناء على دعوة الإخوة من معهد نيووورلد للتدريب الأهلي بدولة الكويت الحبيبة، طلب مني الإخوة تقديم ورقة عمل، فكان الوضع محرجا، ففي الحياة هناك إخوة لم تلدهم أمك ولكنك تشعر أنك أمام أخ يحبك كما لو كنت أخوه، لذلك لم أستطع أن أرفض، ولكني قبلت على مضض، وبعدما انتهت المكالمة الهاتفية بيني وبين أخي من دولة الكويت سألت نفسي: ترى ماذا يمكن أن أقدم؟

ويمكن أن يلاحظ أن المؤتمر يركز على الابتكار، فهل من المعقول أن يقدم المرء ورقة عمل تقليدية، أو مكررة، أو غير فاعلة؟ إذن ماذا يمكن تقديمه علمًا أن المؤتمر سيقام على مستوى الوطن العربي وهناك عمالقة من معظم الدول العربية، وكان الوضع محيرا.

في تلك الفترة كان يشغلني سؤال كنت أشعر أنه مهم وهو، أننا دائمًا نطلب الإبداع والابتكار من المسؤول الإداري والموظف أيًا ما كانت وظيفته ومستواه الوظيفي، ولكن كيف يمكن ذلك في ظل ظروف العمل الروتينية والبيروقراطية التي تتحكم في العمل، فلا يمكن -مثلاً- أن يبدع مسؤول أو موظف في عمل روتيني يؤديه كل يوم منذ سنوات، لا جديد في العمل حتى يفكر ويبدع، إنه فقط يقوم بعمله، وهكذا إن لم تكن كل الأعمال التي نقوم بها فإنه جلها على الأقل.

فقلت في نفسي؛ ماذا لو ناقشت هذا الموضوع، فكان عنوان ورقتي (المسؤول الإداري المبتكر المبدع)، وهنا توقف التفكير قليلاً وتساءلت: كيف يمكن أن نحوّل المسؤول الإداري التقليدي إلى مسؤول إداري مبتكر ومبدع؟ في الحقيقة لا أعرف. ولكن ذهبت أبحث فأنا أمام تحد أمام نفسي قبل أن يكون الهدف تقديم ورقة عمل في مؤتمر رقمي على مستوى الوطن العربي.

أعددت دراسة مهمات الإدارة والتي هي خمس؛ وهي: التخطيط، والتنظيم، والتوجيه، والرقابة، والتوظيف، ثم سألت نفسي ترى ماذا يمكن أن يحدث لو تمكنا من إعادة هيكلة هذه المهمات؟

نحن عادة عندما نضع الهيكل التنظيمي نضعه على الإطار الهرمي، لماذا هرمي؟ هل لأننا نريد أن يعرف المسؤول ما مسؤولياته وأين وكيف يعمل؟ هل لأننا نريد من الموظف أن يلجأ إلى المسؤول في حالة رغبته أو عندما يواجه مشكلة ما؟ أو لمجرد أنه نوع من البرستيج ومظهر من المظاهر المجتمعية؟ فكأن لسان حال المسؤول يقول: أنا مسؤول في المكان الفلاني، أنا المسؤول الذي تُفتح له الأبواب ويجري الموظفين جريًا لحمل حقيبتي أو مشلحي من السيارة، هل هذا هو المقصود؟

في ذهني وعرفي فإن الجزء الأول أن يعرف المسؤول مهماته ومسؤولياته أمر مطلوب ولا خلاف عليه، وكذلك فإن المطلوب أيضًا أن يعرف الموظف إلى من يلجأ إن حدثت مشكلة معينة في العمل، ولكن البرستيج والمظهر الاجتماعي غير مطلوب، إذن كيف يمكننا التغيير من أجل أن ننشئ المسؤول الإداري المبتكر والمبدع؟

لو استطعنا مثلاً أن نلغي التشكيل الهرمي من التنظيم الإداري، بمعنى أن نلغي المستويات ونبقي المسؤوليات والتنظيم الإداري كما هو، ترى ماذا يمكن أن يحدث؟ بمعنى أن يبقى المسؤول كما هو مسؤول ويقوم بواجباته على أكمل وجه وهذا أمر لا غنى عنه، ولكن بدلاً من أن يقوم هو بالتخطيط والتفكير والابتكار وكل شيء، ثم ينزل هذا التخطيط من فوق على الموظفين من أجل التنفيذ فهذا أمر مرفوض، والسبب هو أن الموظف سيؤدي العمل المنوط به من غير تفكير ومن غير رغبة، هذا أمر.

والأمر الآخر أن التنظيم الهرمي يسبب دائمًا مشاكل ما بين الطبقات، فالمسؤول الإداري الموجود في قمة الهرم يلقي تبعات الفشل على المسؤول الذي تحته لأنه لا يؤدي العمل بالطريقة التي يريدها هو، لأنه إنسان غبي وكسول وما إلى ذلك من ألفاظ، والمسؤول الذي في الوسط يتهم الموظفين والعمالة بأنهم لا يؤدون العمل بالطريقة الصحيحة لأنهم.. كذا وكذا وكذا، ولكن من جانب آخر إن نجحت بعض الأمور الإدارية أو الفنية في المؤسسة فإن المسؤول الأول هو فقط -وهو الذي له الحق فقط- أن يظهر في وسائل الإعلام وكأنه عمل معجزة ويتحدث عن عبقريته وإنجازاته هو فقط، وللأسف لا يقدم حتى شكره للموظفين ولا لأحد لأنه يعتقد أنه لولا عبقريته فإن المؤسسة لا تستطيع العمل.

ليس ذلك فحسب، وإنما الموظفون والعمالة يجدون أنفسهم أنهم هم الذين يقومون بكل الأعمال المرهقة ولكن التزكيات والدرجات والهبات والدورات التدريبية والسفرات تذهب إلى المسؤولين الذين في قمة الهرم، لذلك ما يكون من هؤلاء إلا أن يتملقوا للذين هم فوقهم في الدرجات حتى يحظوا بالفتات، لذلك كان الحل من وجهة نظري -أنا- في التنظيم الأفقي بدلاً من التنظيم الهرمي.

التنظيم الأفقي ببساطة هو أن يكون المسؤول رقم (1) في وسط الدائرة الأفقية، ويحيطه المسؤولون رقم (2) الذين يكون موقعهم -ربما يكونون عدة أفراد- حول المسؤول الأول وليس تحته، وكذلك المسؤولون رقم (3)، ورقم (4) وهكذا حتى نصل إلى مرحلة الموظفين والعمالة، والجميع في مستوى واحد والجميع يعمل وفق منهجية واحدة وفريق العمل واحد.

وقد يقول قائل:

* قد تختلط السلطات، فلا يعرف من يقوم بماذا؟

* ويمكن أن يساهم هذا التنظيم في أن يتدخل المسؤول بأعمال المرؤوس؟

* وبعض الأمور الأخرى التي يمكن أن تتسبب في لخبطة الوضع الإداري القائم.

إلا أننا نقول للمرة الثانية، إن العمل بهذا الأسلوب لا يعني أن نلغي الهيكل التنظيمي، وإنما نؤصله ليؤدي الجميع الهدف الأساس من المؤسسة، ولكننا نقلل من المستويات التي تسبب المشاكل السابقة ونعمل بطريقة فريق العمل، وهذا يعني أن الجميع -أي جميع الموظفين والعاملين والمسؤولين في المؤسسة- يكون:

1- ملمًّا بالخطط والأهداف العامة للمؤسسة.

2- عارفًا بالمهام الرئيسية لجميع الإدارات والأفراد.

3- عارفًا لتقسيم المهام الرئيسية إلى مهمات فرعية.

4- ملمًّا بتوزيع الموارد والتوجيهات للمهمات الرئيسية والفرعية.

5- وهو القادر على تقييم النتائج الاستراتيجية للتنظيم ككل.

وفي هذه الحالة فإن التخطيط والمخططات لا تنزل من القيادة العليا إلى القيادة الدنيا من أجل التنفيذ فقط، بمعنى ألا يكون هناك سادة وعبيد، وإنما يشترك الجميع في وضع المخطط، وتنفيذه، وتقييمه، ومراجعته، وإعادة كتابته، وكل شيء، فالجميع مسؤول عن تنفيذ المخطط ونجاحه وفشله، فلا تلقى التبعات عن فئة الموظفين أو المسؤولين الأدنى وإنما الجميع مسؤول بنفس الدرجة عن النجاح والعثرات.

وكذلك فإنه عندما نأتي إلى مرحلة التوجيه، فإننا نحتاج إلى قائد إداري قوي ومسؤول إداري قوي حتى يتمكن من إدارة هؤلاء الأفراد الذين شاركوا في كل شيء، ولا نريد مسؤولا إداريا يجلس في مكتبه طوال النهار ولا يدري ماذا يحدث حوله، بمعنى أننا نريد الإداري الذي يتمتع بالذكاء الإداري، وهذا موضوع تحدثنا فيه سابقًا وكان هو عنوان كتابنا الأخير، وفي المقابل فإن هذا القائد الإداري القوي يحتاج إلى الموظفين المبدعين المبتكرين الذين تأخذ رغباتهم واحتياجاتهم ضمن أهداف وخطط المؤسسة التي نتحدث عنها.

ثم نأتي إلى مرحلة الرقابة والتي تُعد المهمة الرابعة للإدارة فإنه يجب أن نعيد التفكير في موضوع الرقابة لمثل العاملين الذين يعملون في مثل هذه المؤسسات، فبدلاً أن نراقب فقط أداء الموظف ونحاسبه على كل صغيرة وكبيرة، ونحاول أن نتصيد أخطاءه وعثراته قبل أن نتدارس نجاحاته وابتكارته، أن تكون عملية المراقبة شاملة لكل صغيرة وكبيرة في المؤسسة، مثل: مراقبة التخطيط، ومراقبة التنظيم، ومراقبة التوجيه، ومراقبة التنفيذ، ومراقبة السياسات، ومراقبة الإجراءات، ومراقبة الميزانية، ومراقبة البرامج.. ومراقبة كل ما يجري في المؤسسة، وذلك فقط من خلال مؤشرات واضحة المعالم للجميع، مثل: 

* مؤشرات الأداء

* معايير التقييم

* سياسات التقييم والتطوير

* إجراءات التقييم والتطوير

كل هذا من أجل إنجاز الأعمال (أيًا كانت سواء كانت منتجات أو خدمات) وفق المعايير والمؤشرات وبجودة عالية، ورضا العميل، وتحقيق أهداف المؤسسة والقيادة العليا. وهذا يعني أننا خرجنا من إطار مراقبة الموظف والعامل فقط وجلده إن أهمل أو أخطأ إلى مراقبة العمل، إذ ربما يكون الخطأ في التنظيم والتنفيذ والسياسات وليس للموظف علاقة بذلك.

وهنا نأتي إلى آخر مهمة من مهمات الإدارة وهي عملية التوظيف والذي سيتم التوظيف فيه على أساس الكفاءة والجدارة وليس على أساس أنه ابن فلان من الناس أو أنه من طرف فلان، كما سيتم فيه توظيف كافة الموارد المتاحة من أجل خدمة العملاء ورضاهم.

وعندما تتحول المؤسسة -كلها- من مؤسسة تقليدية إلى مؤسسة مبدعة فإنه من الحتمية بمكان أن يتحول المسؤول وكذلك الموظف من إنسان عادي تقليدي إلى إنسان مبدع مبتكر، وتتحول الأعمال من أعمال روتينية إلى أعمال مبهجة ومنوعة ورائعة، فلنتصور لو تتحول كل مؤسسات الدولة إلى مؤسسات مبدعة مبتكرة، ترى ماذا يمكن أن يحدث لدولة مثل هذه؟

البحرين الحقيقة التغيير التقييم العمالة مؤسسات الدولة

مقالات ذات علاقة

أسامة الماجد الثقافة بناء ديناميكي مفتوح

فهناك من يعتبر العمل الفني خلقا وهناك من يعتبره تعبيرا والفرق بين الخلق والتعبير كبير

أسعد حمود السعدون محركات القطاع العقاري في مرحلة ما بعد كورونا 3

فكيف يمكن أن ينعكس ذلك على القطاع العقاري بمملكة البحرين؟

عبد علي الغسرة المواطنة وتعزيز الانتماء

إن تنمية الفكر بالوعي الوطني والقومي يُعزز الانتماء للبلادوالأمة العربية وتاريخهاالحضاري ولأجل ذلك لابدمن تحمل المسؤولية